منذ إعلان وقف حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لم يعد ملف الإعمار مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل تحوّل سريعًا إلى ساحة اشتباك سياسي واقتصادي مفتوح، تُدار فيها المصالح الكبرى بقدر ما تُمسّ فيها حياة أكثر من مليوني إنسان يعيشون بين الأنقاض. وبين وعود دولية براقة بإعادة البناء، وخطط تُسوَّق باعتبارها بوابة “السلام والاستقرار”، يتكشف واقع أكثر قسوة: الاحتلال لا يكتفي بتدمير غزة، بل يعيد استثمار دمارها ضمن منظومة هيمنة طويلة الأمد.

إعادة هندسة الحصار تحت غطاء الإعمار

يرى خبراء في الاقتصاد السياسي أن ما يُطرح اليوم تحت عنوان “إعادة إعمار غزة” لا يرقى إلى مفهوم الإعمار الحقيقي، بل يمثّل إعادة هندسة شاملة للحصار بأساليب أكثر نعومة وأقل صخبًا. فبدل القصف المباشر، يجري الانتقال إلى أدوات الضبط الاقتصادي، والتحكم في المواد الخام، والمعابر، والتمويل، وسلاسل التوريد.

الإعمار في هذه الصيغة لا يقوم على تمكين الفلسطينيين من إدارة مواردهم، ولا يمنحهم سيادة على اقتصادهم، بل يُبقيهم أسرى منظومة تحكم خارجي تحدد لهم ماذا يبنون، ومتى، وبأي شروط. وبهذا المعنى، يتحول الإعمار إلى وسيلة لتكريس واقع الاحتلال بدل تفكيكه، وإلى غطاء إنساني يخفي استمرار السيطرة.

المساعدات كأداة ابتزاز جماعي

لم تعد المساعدات الدولية في غزة تعبيرًا عن تضامن إنساني خالص، بل باتت أداة سياسية تُستخدم للضغط والابتزاز الجماعي. تُفتح صنابير الدعم حين ينسجم الواقع السياسي مع مصالح القوى الكبرى، وتُغلق حين يُراد معاقبة المجتمع بأكمله.

الحق في الغذاء والسكن والعلاج والعمل لم يعد مضمونًا، بل أصبح مشروطًا باعتبارات أمنية وسياسية. ملايين المدنيين يُعاقَبون على خيارات لا يملكون التحكم فيها، وتُدار حياتهم اليومية وفق منطق “المكافأة والعقاب”. وهكذا تتحول المساعدات من وسيلة إنقاذ إلى أداة إخضاع.

الاحتلال.. المستفيد الأكبر من الدمار

تكشف الوقائع الاقتصادية أن المستفيد الأول من أموال الإعمار ليس غزة، بل اقتصاد الاحتلال نفسه. معظم مواد البناء، والطاقة، والوقود، والخدمات اللوجستية، تمر عبر شركات إسرائيلية أو وسطاء مرتبطين بها. حتى المشاريع المموّلة دوليًا تُنفّذ غالبًا عبر قنوات خاضعة للرقابة الإسرائيلية.

بهذا الشكل، يُكافأ الاحتلال مرتين: مرة حين يفلت من أي محاسبة على جرائم التدمير، ومرة حين يحوّل هذا التدمير إلى فرصة ربح. تُدمَّر البيوت والمستشفيات والمدارس، ثم تُعاد بناؤها بأموال دولية تصبّ في السوق الإسرائيلية، بينما يبقى الفلسطيني مستهلكًا لا منتجًا، وتابعًا لا شريكًا.

كما تؤدي شروط الإعمار الحالية إلى تعميق تبعية اقتصاد غزة، ومنع أي محاولة لبناء قاعدة إنتاجية مستقلة، ما يعيد إنتاج النموذج الاستعماري الكلاسيكي: سوق أسيرة، وتنمية مشروطة، واقتصاد مُسخَّر لخدمة أمن المحتل.

التحكم في الحياة كسلاح استراتيجي

بعد فشل الاحتلال في تحقيق نصر عسكري حاسم، لجأ إلى استراتيجية أكثر خطورة: التحكم في مقومات الحياة المدنية. الغذاء، الماء، الكهرباء، الدواء، المعابر، الوقود، كلها تحولت إلى أدوات حرب بطيئة.

الإعمار نفسه أصبح جزءًا من هذه المنظومة. فهو ليس عملية إنقاذ، بل ورقة ضغط تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي في غزة. ومن خلال ربط الإعمار بآليات دولية خاضعة للنفوذ الأميركي والإسرائيلي، يسعى الاحتلال إلى ضمان دور مباشر في إدارة القطاع، حتى بعد توقف القصف.

وتشير معطيات عديدة إلى تنافس شركات ومقاولين مقرّبين من دوائر القرار الغربي على السيطرة المبكرة على ملفات الإعمار، ما يحوّل غزة إلى ساحة استثمار سياسي واقتصادي، لا إلى مشروع إنساني.

تسييس الإعمار وتقويض الكرامة الإنسانية

يحذر العاملون في المجال الإنساني من خطورة إخضاع الإعمار لشروط سياسية صادرة عن قوة احتلال. فالسكن اللائق، والمياه النظيفة، والخدمات الأساسية، حقوق إنسانية لا يجوز ربطها بأي أجندات.

عندما تُفرض شروط تمسّ كرامة المستفيدين، أو تُستخدم المساعدات لإعادة هندسة المجتمع وفق مصالح خارجية، يفقد العمل الإنساني جوهره الأخلاقي. وتتحول المؤسسات الخيرية إلى أدوات ضمن منظومة السيطرة بدل أن تكون سندًا للضحايا.

كما أن غياب التنسيق المستقل بين المؤسسات، وضعف البنية الفلسطينية الداخلية، يزيد من قابلية الإعمار للاختراق والتسييس، ويجعل غزة أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية.

إجرام الاحتلال وتحويل المأساة إلى تجارة

ما يجري في غزة ليس مجرد فشل في الإعمار، بل امتداد مباشر لسياسة إجرامية ممنهجة. الاحتلال دمّر المدن فوق رؤوس سكانها، واستهدف البنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية، وشرّد مئات الآلاف، ثم عاد ليقدّم نفسه شريكًا في “إعادة البناء”.

هذه معادلة فاضحة: الجاني يتحول إلى مدير لملف الضحية، والمجرم يصبح وسيط الإغاثة. بدل محاسبة الاحتلال على جرائمه، يُمنح موقعًا مركزيًا في إدارة نتائجها، في انتهاك صارخ لمبادئ العدالة الدولية.

وفي الوقت الذي تُناقَش فيه المليارات داخل الغرف المغلقة، يعيش أهل غزة في خيام، بلا أمن ولا خدمات ولا أفق واضح. تُدار مأساتهم بمنطق الربح، وتُحوَّل معاناتهم إلى سوق مفتوحة.

خاتمة: حرب مستمرة بوسائل اقتصادية

في المحصلة، لم تنتهِ معاناة غزة بإعلان وقف الحرب، بل دخلت مرحلة جديدة تُخاض فيها المعركة بلغة الاقتصاد بدل المدافع. إعمار بلا سيادة، وبلا عدالة، وبلا مساءلة، ليس سوى استمرار للجريمة بأساليب مختلفة.

ما لم يُفكك نظام الحصار، ويُحاسَب الاحتلال على جرائمه، ويُمنح الفلسطينيون حقهم الكامل في إدارة أرضهم ومواردهم، فإن كل مشاريع الإعمار ستبقى مجرد واجهة لواقع استعماري متجدد، وحلقة جديدة في سلسلة طويلة من الظلم المنهجي.

اقرأ أيضا : عملية تسلل واختطاف إسرائيلية جنوب لبنان تكشف تصعيدًا أمنيًا خطيرًا جديدًا