قفزت أسعار النفط بنسبة بلغت 13 بالمئة، اليوم الاثنين، في واحدة من أسرع القفزات منذ مطلع عام 2025، على وقع إغلاق مضيق هرمز الحيوي واستمرار الحرب التي فجّرتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي ضد إيران. هذه القفزة لم تكن مجرد تذبذب عابر في الأسواق، بل عكست ذعرا حقيقيا من انهيار أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، بعد أن قررت واشنطن وتل أبيب دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة عبر هجمات مباشرة داخل العمق الإيراني أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة.

ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى 82.37 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025، قبل أن تقلص مكاسبها لتستقر عند 78.28 دولار بزيادة 7.4 بالمئة. كما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 75.33 دولارا خلال التداولات، ثم تراجع قليلا إلى 71.76 دولار بارتفاع نسبته 7.1 بالمئة. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن حركة مضاربين، بل عن مخاوف حقيقية من اضطراب طويل الأمد في الإمدادات العالمية.

الأسواق أدركت أن ما جرى ليس حادثا معزولا، بل نتيجة مباشرة لعدوان عسكري أمريكي إسرائيلي اختار التصعيد بدل الدبلوماسية، وأطلق شرارة ردود إيرانية واسعة استهدفت المصالح العسكرية والبحرية في المنطقة، ما جعل الملاحة في الخليج العربي ساحة مواجهة مفتوحة.

هرمز.. شريان العالم الذي عبثت به المغامرة العسكرية

يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس الطلب العالمي من النفط يوميا، في مسار يربط منتجي الخليج بالأسواق الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند. في الظروف الطبيعية، تعبر المضيق ناقلات محملة بالنفط الخام من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران، إضافة إلى شحنات الديزل ووقود الطائرات والمنتجات المكررة.

لكن مع تصاعد المواجهة، أظهرت بيانات الشحن أن أكثر من 200 ناقلة نفط وغاز مسال توقفت في الخليج، فيما تعرضت ثلاث ناقلات لأضرار، وقُتل أحد البحارة في هجمات بحرية. هذا التوقف الجماعي لا يعني فقط تأخير شحنات، بل يهدد بإحداث اختناقات في سلاسل الإمداد العالمية، ورفع تكاليف التأمين والشحن إلى مستويات قياسية.

الإغلاق الفعلي أو شبه الفعلي للمضيق، ولو لأيام معدودة، كفيل بدفع الأسعار إلى مستويات قد تتجاوز 100 دولار للبرميل، خاصة إذا طال أمد المواجهة. ورغم أن بعض المحللين اعتبروا الأمر “صدمة جيوسياسية” مؤقتة، فإن واقع العمليات العسكرية المتبادلة يشي بأن المنطقة دخلت مرحلة غير مسبوقة من عدم الاستقرار، صنعتها حسابات القوة في واشنطن وتل أبيب دون اكتراث بالعواقب.

واشنطن وتل أبيب.. مقامرة سياسية على حساب استقرار العالم

اللافت أن هذا التصعيد جاء في لحظة حساسة داخليا في الولايات المتحدة، حيث يواجه الرئيس دونالد ترامب ضغوطا سياسية قبل انتخابات التجديد النصفي. وبينما حاول البيت الأبيض تسويق الهجوم على إيران باعتباره “حماية للمصالح الأمريكية”، جاءت الأسواق لتكذّب هذا الخطاب؛ فارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة قد يتجاوز ثلاثة دولارات للجالون، ما يضع الإدارة أمام غضب الناخبين.

بدلا من احتواء التوتر عبر القنوات الدبلوماسية، اختارت واشنطن الاصطفاف الكامل مع دولة الاحتلال في عملية عسكرية واسعة، ضاربة عرض الحائط بالقانون الدولي ومخاطر إشعال المنطقة. هذا السلوك يعكس ذهنية الهيمنة أكثر مما يعكس حرصا على الاستقرار، إذ تم اغتيال قيادات عليا في دولة ذات سيادة، وهو ما فتح الباب أمام ردود فعل لا يمكن ضبط إيقاعها بسهولة.

في المقابل، حاول تحالف أوبك+ تهدئة الأسواق عبر الإعلان عن زيادة متواضعة في الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميا خلال أبريل. غير أن هذه الزيادة تبدو رمزية أمام احتمال تعطل ملايين البراميل يوميا إذا استمر إغلاق هرمز أو تصاعدت الهجمات البحرية.

المحصلة أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي لم يحقق استقرارا، بل فجّر أزمة طاقة عالمية تضر بالدول المستوردة والمنتجة على حد سواء، ويدفع ثمنها المواطن العادي في آسيا وأوروبا وأمريكا. إنها مقامرة سياسية وعسكرية قد تعيد تشكيل خرائط الطاقة والتحالفات، وتدفع قوى كبرى إلى إعادة حساباتها في الاعتماد على مسارات بحرية يمكن تعطيلها بقرار حرب.

وسط هذه الفوضى، يبقى السؤال الأهم: هل تدرك واشنطن وتل أبيب أن كلفة إشعال الخليج تتجاوز حدود المواجهة مع إيران، وتمتد إلى الاقتصاد العالمي برمته؟ أم أن منطق القوة سيستمر في فرض نفسه، ولو على أنقاض استقرار سوق الطاقة العالمي؟

اقرأ أيضًا : اغتيال علي خامنئي يشعل أخطر مواجهة إقليمية منذ عقود