في تطور خطير يكشف عمق الأزمة داخل السلطة اليمنية المعترف بها دوليًا، أعلن ثلاثة وزراء في الحكومة، إلى جانب نائب وزير، تأييدهم العلني لميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات، ودعمهم الصريح لمشروع الانفصال وإعلان ما يُسمى “دولة الجنوب العربي”، في خطوة اعتُبرت انقلابًا سياسيًا مكشوفًا على الشرعية الدستورية، وانعكاسًا مباشرًا للدور التخريبي الذي تمارسه أبوظبي في اليمن منذ سنوات.

انشقاق من داخل الحكومة

البيانات المتلفزة التي صدرت عن وزراء الشؤون الاجتماعية والعمل، والخدمة المدنية والتأمينات، والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى نائب وزير الإعلام والثقافة والسياحة، لم تترك مجالًا للشك بشأن حجم التواطؤ السياسي مع ميليشيا الانتقالي. فقد أعلن وزير الشؤون الاجتماعية والعمل محمد الزعوري أن وزارته “تبارك وتساند” خطوات رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، مؤكدًا الجهوزية للعمل على إعلان دولة الجنوب، في خطاب يتجاوز بوضوح أي صلاحيات قانونية أو مؤسسية.

أما وزير الخدمة المدنية عبدالناصر الوالي، فذهب أبعد من ذلك، حين أكد أن وزارته تؤيد “كافة قرارات وإجراءات قيادة شعب الجنوب”، معتبرًا أن ما يجري هو مسار “استعادة الدولة”، في تجاهل كامل لكونه وزيرًا في حكومة يفترض أنها تمثل الدولة اليمنية الموحدة. بدوره، أعلن وزير الزراعة سالم السقطري دعم وزارته لخطوات ميليشيا الانتقالي والقوات التابعة لها، وتحدث صراحة عن الجهوزية لإعلان دولة الجنوب، في تكرار فجّ لخطاب انفصالي صادر من داخل مؤسسات يفترض أنها سيادية.

وفي السياق ذاته، أعلن نائب وزير الإعلام صلاح العاقل تأييده المطلق لإعلان “الدولة الجنوبية كاملة السيادة”، مستخدمًا صفته الرسمية لترويج مشروع انفصالي، ما فجّر أزمة سياسية وقانونية غير مسبوقة داخل الحكومة.

الإمارات ومحاولة تفكيك الدولة

هذه المواقف لا يمكن قراءتها بمعزل عن الدور الإماراتي التخريبي في اليمن. فمنذ سنوات، تعمل أبوظبي على دعم ميليشيا المجلس الانتقالي سياسيًا وعسكريًا وماليًا، بهدف فرض واقع انفصالي بالقوة، وتقويض أي مسار لبناء دولة يمنية موحدة. دعم الإمارات للانتقالي لم يعد سرًا، بل أصبح سياسة معلنة تتجلى في السيطرة العسكرية على محافظات الجنوب، وبناء تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، واستخدام أدوات اقتصادية وإعلامية لفرض مشروع التقسيم.

إعلان وزراء في الحكومة ولاءهم لميليشيا انفصالية مدعومة خارجيًا يكشف حجم الاختراق الإماراتي لمفاصل الشرعية، ويؤكد أن أبوظبي لا تكتفي بدعم الانفصال من الخارج، بل تسعى لشرعنته من داخل مؤسسات الدولة نفسها، في سلوك يرقى إلى تقويض الدولة من الداخل.

رفض رسمي وإجراءات مضادة

في المقابل، سارعت وزارة الإعلام والثقافة والسياحة إلى إصدار بيان رسمي نفت فيه تبنيها لأي مواقف انفصالية، واعتبرت ما صدر عن نائب الوزير خروجًا سياسيًا وقانونيًا غير مقبول، وتجاوزًا صريحًا للمرجعيات الدستورية والقانونية، وفي مقدمتها إعلان نقل السلطة، والدستور، والقوانين النافذة، وقرارات مجلس الأمن.

وأكدت الوزارة أن القيادة السياسية الشرعية الوحيدة هي مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، وأن أي مواقف تخالف ذلك تعد انتهاكًا جسيمًا للقانون وتستوجب المساءلة. كما شددت على رفض أي مشاريع سياسية أحادية أو اصطفافات خارج الأطر الدستورية، محذّرة من استخدام الصفة الوظيفية لتحقيق أجندات سياسية انفصالية.

العليمي يحذر من تفكيك الشرعية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي دخل بدوره على خط الأزمة، ووجّه الحكومة والجهات المعنية باتخاذ كافة الإجراءات القانونية والإدارية بحق أي تجاوزات تمس وحدة القرار السياسي أو تحاول فرض سياسات خارج الأطر الدستورية. وأكد أن استغلال المناصب الرسمية لتحقيق مكاسب سياسية انفصالية يمثل خرقًا خطيرًا للدستور والقانون، وإضرارًا بوحدة السلطة التنفيذية والسلم الأهلي.

العليمي شدد على أن مجلس القيادة الرئاسي هو الجهة الوحيدة المخولة بتحديد المواقف السياسية العليا للدولة، محذرًا من أن ما تقوم به ميليشيا الانتقالي في الجنوب، بدعم إماراتي، يقوض شرعية الحكومة وينتهك اتفاقيات تقاسم السلطة، وعلى رأسها اتفاق الرياض.

كما دعا العليمي شركاء المجلس الانتقالي إلى تغليب الحكمة والحوار، وعدم التفريط بالمكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن مشروع الانفصال لا يهدد وحدة اليمن فحسب، بل يشكل خطرًا مباشرًا على الأمن الإقليمي والدولي.

انفصال بالقوة وتواطؤ سياسي

الخطير في المشهد أن ميليشيا الانتقالي كانت قد تمكنت خلال الأسابيع الماضية من فرض سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة دون قتال، في خطوة رُفضت سعوديًا ورسميًا، لكنها عكست حجم الدعم الإماراتي المباشر. تصريحات عيدروس الزبيدي عن “مرحلة وجودية” وبناء “دولة الجنوب العربي” تؤكد أن المشروع الانفصالي لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل مخططًا متقدمًا لفرض التقسيم بالقوة.

في المحصلة، ما جرى من إعلان وزراء يمنيين دعمهم لميليشيا انفصالية مدعومة من الإمارات يمثل لحظة مفصلية في الصراع اليمني، ويكشف أن معركة اليمن لم تعد فقط ضد الانقلاب الحوثي، بل أيضًا ضد مشاريع التقسيم التي تُدار من الخارج، وتُنفذ بأدوات محلية من داخل مؤسسات الدولة نفسها، على حساب وحدة اليمن ومستقبل شعبه.

اقرأ أيضًا : إجرام بن غفير من جديد: إسرائيل تدرس بناء سجن محاط بالتماسيح للأسرى