في تطور يعكس مستوى غير مسبوق من التطرف والانحدار الأخلاقي داخل المنظومة الحاكمة في إسرائيل، كشفت وسائل إعلام عبرية عن دراسة مصلحة السجون الإسرائيلية مقترحًا لبناء سجن أمني جديد محاط بالتماسيح، بناءً على طلب مباشر من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. المقترح، الذي قد يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى مشاهد أفلام خيالية أو عصور ما قبل الحداثة، يعبّر في جوهره عن عقلية انتقامية ترى في الأسرى الفلسطينيين مادة للعقاب والتجريد من الإنسانية، لا أشخاصًا يتمتعون بأي حقوق قانونية أو إنسانية.
بحسب ما نُقل، فإن المقترح طُرح خلال اجتماع تقييم أجرته مصلحة السجون، ويتضمن إنشاء سجن في منطقة حامات غادر بالجولان السوري المحتل، على أن تُجلب تماسيح خصيصًا وتوضع داخل سياج مائي يحيط بالسجن، بزعم منع هروب السجناء. ورغم أن عددًا من ضباط الشرطة تعاملوا مع الفكرة بسخرية، فإن خطورة الأمر تكمن في أن المقترح لم يُرفض من حيث المبدأ، بل بدأت الجهات المختصة فعليًا بدراسة إمكانية تنفيذه.
![]()
سجون الاحتلال من العقاب إلى الإذلال الممنهج
لا يمكن فصل هذا المقترح عن السياق الأوسع لسياسات بن غفير منذ توليه وزارة الأمن القومي عام 2022. فالرجل لا يخفي تباهيه بالإجراءات المتشددة التي فرضها على الأسرى الفلسطينيين، بل يعتبرها إنجازًا سياسيًا وشعبويًا يخاطب به جمهوره اليميني المتطرف. ومنذ دخوله الوزارة، شهدت السجون الإسرائيلية تدهورًا حادًا في ظروف الاحتجاز، شمل منع الزيارات العائلية، تقليل كميات الطعام، تقليص فرص الاستحمام، وتشديد العزل والانفرادي، في انتهاك صارخ لأبسط المعايير الإنسانية.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن “سجن محاط بالتماسيح” ليس مجرد فكرة شاذة، بل حلقة متقدمة في سلسلة إجراءات تهدف إلى الإذلال النفسي والجسدي، وإرسال رسالة واضحة مفادها أن الأسرى الفلسطينيين خارج أي إطار قانوني أو أخلاقي، وأن التعامل معهم يخضع لمنطق العقاب الجماعي والانتقام السياسي.
ارتفاع الوفيات داخل السجون… مؤشر على جريمة أعمق
خطورة سياسات بن غفير لا تتجلى فقط في التصريحات أو المقترحات الصادمة، بل في نتائج ملموسة على الأرض. فقد أفادت تقارير عبرية بارتفاع غير مسبوق في وفيات الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية منذ توليه منصبه. هذا الارتفاع لا يمكن عزله عن تشديد ظروف الاعتقال، والإهمال الطبي المتعمد، وحرمان الأسرى من العلاج والرعاية الصحية، وهي ممارسات ترقى، وفق القانون الدولي، إلى مستوى التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية.
إن التفكير في إحاطة سجن بالتماسيح، حتى لو بقي في إطار “الدراسة”، يعكس ذهنية ترى في السجن أداة ردع وحشية لا مؤسسة إصلاح أو احتجاز قانوني. وهو ما يعزز المخاوف من أن تتحول السجون الإسرائيلية، خصوصًا تلك التي تضم أسرى فلسطينيين، إلى مساحات خارج القانون، تُمارس فيها الانتهاكات دون رقابة أو مساءلة.
بن غفير ومشروع إعدام الأسرى
يتكامل مقترح “سجن التماسيح” مع دعم بن غفير وحزبه لمشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي صوّت عليه الكنيست بالقراءة الأولى في نوفمبر الماضي. فالقانون ينص على فرض حكم الإعدام بحق من يتسبب بمقتل إسرائيلي بدافع “عنصري أو كراهية”، مع منع تخفيف الحكم أو استبداله، وهو تعريف فضفاض يسمح بتسييس القضاء واستخدامه أداة انتقام جماعي بحق الفلسطينيين.
هذا التوجه يكشف أن بن غفير لا يتعامل مع ملف الأسرى بوصفه قضية قانونية أو أمنية، بل باعتباره ساحة لتصفية حسابات أيديولوجية، وإرضاء قاعدة يمينية متطرفة ترى في القتل والتنكيل وسائل مشروعة لإدارة الصراع. ومن هنا، فإن الحديث عن سجن محاط بالتماسيح ليس تفصيلًا عابرًا، بل تجسيدًا عمليًا لفلسفة سياسية قائمة على نزع الإنسانية والتطبيع مع العنف.
رسالة سياسية خطيرة وصمت دولي مريب
يحمل هذا المقترح رسالة سياسية تتجاوز حدود السجون، مفادها أن إسرائيل، في ظل حكومتها اليمينية الحالية، لم تعد تكترث حتى بالشكل أو الصورة التي تقدمها للعالم. فطرح فكرة بهذه الوحشية، وتسريبها للإعلام، ثم التعامل معها كخيار “قابل للدراسة”، يعكس شعورًا بالحصانة المطلقة من المحاسبة الدولية.
وفي المقابل، يبرز الصمت الدولي المريب، الذي يشجع استمرار هذه السياسات، ويمنح شخصيات مثل بن غفير مساحة أوسع للمضي قدمًا في مشاريعهم المتطرفة. فغياب الضغط والمساءلة يفتح الباب أمام تحويل السجون إلى أدوات تعذيب علني، وإعادة إنتاج أنماط عقاب تنتمي إلى عصور الظلام لا إلى القرن الحادي والعشرين.
في الخلاصة، فإن مقترح بناء سجن محاط بالتماسيح ليس مجرد فكرة شاذة أو مادة للسخرية، بل مؤشر خطير على مستوى الإجرام السياسي والأخلاقي الذي يمثله إيتمار بن غفير. إنه تعبير صارخ عن عقلية ترى في الفلسطيني هدفًا مشروعًا للإذلال والقتل البطيء، وتكشف إلى أي مدى انزلقت المؤسسة الإسرائيلية نحو تطبيع الوحشية تحت غطاء “الأمن”.
اقرأ أيضا : بعد تمويل الإمارات الانقلاب عليه… عمران خان يتعرّض للتعذيب بالحبس الانفرادي