في تطور يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر حساسية، كشفت مصادر إيرانية عن تحذير غير مسبوق وجهته طهران إلى أصحاب الفنادق في الإمارات والبحرين، مطالبةً إياهم بعدم إيواء عسكريين أمريكيين، وإلا ستُدرج هذه المنشآت ضمن “قائمة أهداف مشروعة”. هذا التحذير لا يمكن قراءته كتصريح إعلامي عابر، بل كجزء من استراتيجية ردع متصاعدة تسعى إيران من خلالها إلى إعادة تعريف مسرح العمليات، بحيث لا يقتصر على القواعد العسكرية التقليدية، بل يمتد إلى البنية المدنية التي تُستخدم – بحسب الرواية الإيرانية – لدعم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

المعطيات التي أوردتها وكالة “فارس” تشير إلى أن الضربات الإيرانية الأخيرة، ضمن ما تسميه طهران “عمليات محور المقاومة”، ألحقت أضرارًا واسعة بعدد من القواعد الأمريكية، ما اضطر القوات المتبقية إلى إعادة التموضع داخل منشآت مدنية، بينها فنادق في دول خليجية. وهنا يكمن جوهر الرسالة الإيرانية: أي بنية مدنية تتحول إلى غطاء عسكري، تفقد حصانتها وتصبح هدفًا مشروعًا. هذه المقاربة تعكس تحوّلًا خطيرًا في قواعد الاشتباك، إذ تضع القطاع السياحي والخدمي في قلب المعادلة الأمنية، وتفتح الباب أمام استهداف غير تقليدي قد تكون تداعياته واسعة على الاستقرار الاقتصادي.

لكن الأهم من التحذير نفسه هو توقيته وسياقه. فإيران تخوض منذ أواخر شباط/فبراير مواجهة مفتوحة تصفها بأنها رد على “عدوان أمريكي-إسرائيلي مستمر”، وقد كثّفت خلالها استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، مستهدفة ما تقول إنها قواعد ومصالح عسكرية أمريكية في المنطقة. غير أن اتساع رقعة الضربات، ووصولها إلى منشآت مدنية ومطارات وموانئ، يكشف أن الخط الفاصل بين العسكري والمدني أصبح أكثر ضبابية، وهو ما يثير مخاوف جدية من انزلاق الصراع إلى مستوى أكثر شمولًا.

“الدولة المطبعة تدفع الثمن”

في الخطاب الإيراني غير الرسمي، تتكرر فكرة أن الدول التي انخرطت في مسار التطبيع مع إسرائيل أصبحت جزءًا من معادلة الصراع، وبالتالي تتحمل تبعاته. هذا الطرح لا يُعلن دائمًا بشكل مباشر في البيانات الرسمية، لكنه يظهر بوضوح في اختيار الأهداف والرسائل الإعلامية المصاحبة. فالإمارات، على سبيل المثال، تُعد الأكثر تعرضًا للهجمات وفق المعطيات المتداولة، وهو ما يربطه مراقبون بموقعها الجيوسياسي وعلاقاتها الإقليمية والدولية، بما في ذلك تعاونها مع واشنطن وتل أبيب.

التحذير الموجه للفنادق يدخل ضمن هذا الإطار؛ إذ يُفهم كرسالة ضغط غير مباشرة على الحكومات عبر القطاع الخاص، الذي يُعد ركيزة أساسية في اقتصادات الخليج. فالسياحة والضيافة ليست مجرد أنشطة اقتصادية، بل جزء من صورة الاستقرار والانفتاح التي تسوّقها هذه الدول عالميًا. وعندما تُدرج الفنادق ضمن بنك الأهداف المحتملة، فإن ذلك يضرب هذه الصورة في الصميم، ويخلق حالة من القلق لدى المستثمرين والزوار على حد سواء.

قائمة أهداف تتسع: من القواعد إلى الطاقة

بالتوازي مع التحذيرات للفنادق، كشفت وسائل إعلام إيرانية عن إعداد قائمة أهداف أوسع تشمل منشآت الطاقة في الإمارات، في حال استخدام أراضيها لشن هجمات ضد إيران. هذه القائمة، التي تضم محطات توليد الكهرباء والمنشآت النووية ومراكز الطاقة الشمسية، تعكس إدراكًا إيرانيًا لأهمية “الضربة الاقتصادية” في أي صراع إقليمي.

فاستهداف البنية التحتية للطاقة لا يعني فقط انقطاع الكهرباء، بل يهدد بشلّ سلاسل الإمداد والتجارة في منطقة تُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. وتشير تقديرات خبراء إلى أن أي هجوم واسع على هذه المنشآت قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع حاد في الأسعار، فضلًا عن تأثيرات مباشرة على حركة الملاحة والتجارة في الخليج.

هذا التوسّع في بنك الأهداف يعكس أيضًا محاولة إيرانية لخلق توازن ردع مع الولايات المتحدة وحلفائها، عبر التلويح بقدرتها على إلحاق أضرار استراتيجية تتجاوز الخسائر العسكرية المباشرة. بمعنى آخر، تسعى طهران إلى نقل المعركة من “تكلفة عسكرية” إلى “تكلفة اقتصادية شاملة”، وهو ما قد يدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها.

بين الردع والتصعيد المفتوح

رغم أن إيران تؤكد أنها لا تستهدف دولًا بعينها، بل “المصالح الأمريكية”، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن دول الخليج أصبحت ساحة رئيسية لهذا الصراع. الأرقام المتداولة حول عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة المستخدمة خلال أقل من شهر، وحجم الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت، تعكس مستوى غير مسبوق من التصعيد، يضع المنطقة على حافة مواجهة أوسع.

في هذا السياق، يمكن قراءة التحذير للفنادق كجزء من سياسة “الإنذار المسبق”، التي تهدف إلى تقليل الخسائر المدنية من جهة، وتكريس شرعية الاستهداف من جهة أخرى. لكن هذه السياسة تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، إذ إن تحويل منشآت مدنية إلى أهداف محتملة قد يؤدي إلى أخطاء كارثية، ويزيد من احتمالات سقوط ضحايا مدنيين، ما قد يفتح الباب أمام ردود فعل دولية وتصعيد غير محسوب.

في النهاية، يبدو أن الصراع دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الاقتصادية والمدنية، وتصبح فيها الرسائل السياسية جزءًا من بنك الأهداف نفسه. وبينما تحاول طهران فرض معادلة ردع جديدة، تجد دول الخليج نفسها أمام تحدٍ معقّد: كيف تحافظ على استقرارها الاقتصادي والأمني في ظل صراع لا تملك السيطرة الكاملة على مساراته؟ السؤال يبقى مفتوحًا، لكن المؤكد أن “الدولة المطبعة” – كما يرد في الخطاب الإيراني – لم تعد بعيدة عن كلفة المواجهة، بل أصبحت في قلبها.

اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران