في خطوة وُصفت بأنها الأكثر جرأة منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أعلنت أكبر نقابة عمالية في إيطاليا، وهي “الاتحاد العام للعمل الإيطالي” (CGIL)، عن تنظيم يوم تعبئة وطنية يتخلله إضرابات وتظاهرات حاشدة يوم الجمعة المقبل 19 سبتمبر، احتجاجاً على “المجزرة المستمرة بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة”.
وأكد الأمين العام للنقابة ماوريتسيو لانديني خلال مؤتمر صحفي في روما أن “ما يحدث في غزة إبادة جماعية موثقة، ويجب أن تتوقف فوراً، إلى جانب وقف تهجير الشعب الفلسطيني قسراً”، مطالباً الحكومات الأوروبية بوقف التعاون التجاري والعسكري مع إسرائيل إلى أن تنتهي الحرب.
وشدّد لانديني على أن الإضراب سيستثني القطاعات الحيوية مثل المدارس والمستشفيات ووسائل النقل، احتراماً للقوانين التي تفرض إشعاراً مسبقاً، لكنه أشار إلى أن الهدف ليس شلّ البلاد بل إعلاء الصوت الأخلاقي الإيطالي ضد المجازر.

تزامن مع موجة دعم شعبي متنامية لفلسطين
يأتي إعلان النقابة في ظل مناخ شعبي إيطالي متصاعد التأييد لفلسطين، إذ غادرت 18 سفينة ميناء كاتانيا جنوب البلاد باتجاه غزة ضمن ما يعرف بـ”أسطول الصمود الدولي”، الذي يُعد أكبر تحرك بحري عالمي لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ أكثر من 17 عاماً.
وقد حظيت هذه الخطوة بتغطية واسعة في الإعلام الإيطالي، الذي أشار إلى أن المشاركين ينتمون إلى جمعيات حقوقية ونقابات بحرية وطواقم طبية، ويهدفون إلى إيصال مساعدات إنسانية ورمزية لكسر العزلة المفروضة على مليوني فلسطيني محاصرين في القطاع.
ويرى مراقبون أن التحرك النقابي يتغذى على هذا الزخم الشعبي، وأنه قد يُشكل تحولاً نوعياً في موقف الشارع الإيطالي التقليدي، الذي كان لسنوات يميل إلى الحذر في انتقاد إسرائيل علناً، لكنه بات أكثر جرأة بعد تصاعد التقارير الأممية الموثقة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
رد على هجوم “عربات جدعون 2” وتصعيد الإبادة
وجاءت الدعوة للإضراب بعد ساعات من إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي بدء هجوم بري واسع على مدينة غزة فجر الثلاثاء، ضمن عملية أطلق عليها اسم “عربات جدعون 2″، شملت نسف منازل عبر روبوتات مفخخة، قصفاً مدفعياً عشوائياً، إطلاق نار كثيف، وعمليات تهجير قسري ممنهج، بحسب ما وثقته وكالات الأنباء الدولية.
وقد أثارت هذه الهجمة موجة إدانات من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وسط تحذيرات من منظمات حقوقية دولية من أن الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وتقترب من دخول عامها الثالث، تحولت فعلياً إلى حرب إبادة مدعومة أمريكياً.
ووفق آخر إحصاء لوزارة الصحة في غزة، أسفر العدوان الإسرائيلي عن استشهاد 64,964 فلسطينياً وإصابة 165,312 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى وفاة 428 شخصاً بينهم 146 طفلاً جراء المجاعة الناجمة عن الحصار الشامل.
ويؤكد باحثون إيطاليون أن هذه الأرقام الصادمة لعبت دوراً محورياً في تعبئة النقابات العمالية، التي عادة ما تنأى بنفسها عن القضايا الجيوسياسية، لكنها شعرت أن الصمت بات تواطؤاً في إبادة شعب بأكمله.
تآكل الرواية الإسرائيلية في أوروبا وإيطاليا
اللافت أن هذه الخطوة النقابية تأتي في وقت تتراجع فيه فاعلية الرواية الإسرائيلية في الرأي العام الأوروبي، وخاصة في إيطاليا، التي كانت تاريخياً من أكثر الدول الأوروبية تفهماً للمواقف الإسرائيلية.
فبينما كانت السردية الإسرائيلية تهيمن في الإعلام الإيطالي خلال الأشهر الأولى للعدوان عبر خطاب “الدفاع عن النفس” و”الحرب على الإرهاب”، بدأت تدريجياً تفقد بريقها مع توالي مشاهد الدمار الجماعي في غزة وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين بشكل غير مسبوق.
وقد رصدت مراكز بحث أوروبية انخفاضاً ملحوظاً في نسبة التأييد الشعبي لإسرائيل بإيطاليا خلال العام الأخير، بالتوازي مع ارتفاع المطالبات بفرض عقوبات اقتصادية على تل أبيب ووقف مبيعات السلاح لها، وهي مطالب كانت في السابق حكراً على الأحزاب اليسارية المتشددة، لكنها باتت اليوم تُطرح حتى داخل النقابات العمالية والتيارات الوسطية.
رسالة ضغط على الحكومة الإيطالية والاتحاد الأوروبي
يرى محللون أن الإضراب المنتظر يحمل رسالة ضغط مزدوجة للحكومة الإيطالية وللاتحاد الأوروبي ككل، إذ يسعى إلى دفع روما لتبني موقف أكثر صرامة تجاه جرائم الحرب في غزة، خصوصاً وأن الحكومة الإيطالية بقيادة جورجا ميلوني اكتفت حتى الآن ببيانات عامة تدعو إلى “ضبط النفس” دون أي خطوات عملية لوقف تصدير السلاح أو تعليق التعاون العسكري مع إسرائيل.
كما أن خطوة “سي جي آي إل” تعني أن الاحتجاجات لم تعد مجرد مبادرات شعبية متفرقة، بل تحولت إلى حراك منظم تقوده مؤسسات اقتصادية ونقابية كبرى قادرة على شل قطاعات مهمة من الاقتصاد الإيطالي مؤقتاً، وهو ما يثير القلق في أوساط الحكومة والاتحاد الأوروبي خشية اتساع رقعة الاحتجاجات إلى دول أخرى.
ويُجمع مراقبون على أن هذه التعبئة النقابية، حتى وإن لم توقف المجازر فوراً، تمثل نقطة تحول رمزية مهمة في معركة كسر الصمت الأوروبي حول غزة، وتؤشر على بداية أفول الهيمنة الدعائية الإسرائيلية في القارة العجوز.
اقرأ أيضًا : تصعيد إسباني غير مسبوق ضد الاحتلال: مدريد تلغي عقود تسلح بمئات الملايين