في خطوة غير مسبوقة داخل الاتحاد الأوروبي، أعلنت الحكومة الإسبانية رسميًا إلغاء عقود تسلح ضخمة مع شركات مرتبطة بدولة الاحتلال الإسرائيلي، في إطار تصعيد واضح لموقف مدريد المناهض للعدوان الإسرائيلي على غزة، وتعزيزًا لحظر قانوني جديد يمنع أي تعاملات عسكرية مع تل أبيب. 

وتمثل هذه الخطوة ضربة قوية للمنظومة الدعائية الإسرائيلية التي طالما ادّعت أن علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع الغرب ثابتة لا تتأثر بالانتهاكات في غزة، لكنها تجد الآن نفسها أمام تآكل حقيقي لدعمها الأوروبي التقليدي.

إلغاء عقود بمليارات.. وقرارات رسمية لحظر التعامل العسكري

بحسب وثائق رسمية اطلعت عليها وكالة “فرانس برس”، ألغت إسبانيا عقدًا بقيمة 700 مليون يورو لشراء 12 نظامًا لإطلاق الصواريخ عالية الحركة (سيلام)، وهو نسخة مطوّرة من نظام “بولس” التابع لمجموعة “البيت سيستمز” الإسرائيلية، كانت ستُصنّع محليًا ضمن شراكة بين شركات إسبانية والإسرائيلية. 

كما ألغت مدريد عقدًا آخر قيمته 287.5 مليون يورو لشراء 168 قاذفة مضادة للدروع كانت مرخّصة من شركة إسرائيلية، ليصل مجموع العقود الملغاة مؤخرًا إلى نحو مليار يورو.

وبينما كانت الصحافة الإسبانية و”هآرتس” الإسرائيلية قد تحدثتا عن الإلغاء سابقًا، جاء الإعلان الرسمي على المنصة الإسبانية الرسمية للعقود العامة في وثيقة مؤرخة في 9 سبتمبر/أيلول الجاري، أي بعد يوم واحد من إعلان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عن حزمة إجراءات “تهدف إلى إنهاء الإبادة الجماعية في غزة”، تضمنت تعزيزًا قانونيًا لحظر صفقات الأسلحة مع إسرائيل، كانت مدريد تطبّقه بحكم الأمر الواقع منذ شهور.

وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة قرارات مشابهة، بينها إلغاء وزارة الداخلية الإسبانية في أبريل/نيسان الماضي عقدًا لشراء ذخائر من شركة إسرائيلية، بضغط من حزب “سومار” اليساري الراديكالي المشارك في الائتلاف الحاكم، ما يشير إلى تراكم إرادة سياسية واضحة لكسر أي شراكة عسكرية مع تل أبيب.

ضربة موجعة للرواية الإسرائيلية وتوتر دبلوماسي متصاعد

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبنّى سانشيز موقفًا صارمًا تجاه الاحتلال، حتى وصل إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين عام 2024، وهو ما فجّر أزمة دبلوماسية عميقة: إسرائيل لم تعين سفيرًا جديدًا في مدريد منذ ذلك الحين، بينما استدعت إسبانيا سفيرتها من تل أبيب مؤخرًا عقب تبادل تصريحات حادة بين الجانبين بسبب القرارات الجديدة.

هذه التطورات تُمثل هزّة قوية للرواية الإسرائيلية التي تسوق نفسها كحليف “لا يمكن الاستغناء عنه” في أوروبا، إذ تكشف أن إسرائيل تفقد تدريجيًا حاضنتها السياسية حتى داخل دول الناتو. بل إن الحكومة الإسبانية، وفق صحيفة “لافانغارديا”، بدأت خطة عملية للتخلص من الأسلحة والتكنولوجيا الإسرائيلية الموجودة لدى قواتها المسلحة، في خطوة ترمز إلى قطيعة عسكرية كاملة محتملة مع تل أبيب مستقبلاً.

ويكشف ذلك عن تراجع فعالية استراتيجية “الاعتياد على الاحتلال” التي تعتمدها إسرائيل في الغرب، إذ لم تعد صور “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” تقنع الرأي العام الأوروبي بعد عامين من المجازر المتواصلة في غزة، وخصوصًا مع وصول عدد الشهداء إلى عشرات الآلاف، معظمهم من النساء والأطفال.

ضغط أمريكي واتهامات بالتخلي عن الحليف الإسرائيلي

لم يمر القرار الإسباني دون رد من واشنطن، حيث أعرب متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن “قلق شديد” من القيود التي فرضتها مدريد على دخول سفن وطائرات تحمل أسلحة إلى إسرائيل عبر الموانئ والأجواء الإسبانية، معتبرا أن هذه الخطوة “تشجع الإرهابيين” و”تتخلى عن إسرائيل في وقت حساس”، في إشارة إلى مقتل ستة إسرائيليين في عملية مقاومة بالقدس في اليوم نفسه.

وترى الولايات المتحدة أن هذه القيود تهدد عملياتها اللوجستية، إذ تدير قاعدتين عسكريتين رئيسيتين في إسبانيا (مورون وروتا) وتعتمد عليهما في عملياتها عبر المتوسط، إلا أن مدريد لم تتراجع، بل وسّعت قراراتها بمنع دخول أي شخص يثبت تورطه المباشر في “الإبادة الجماعية في غزة” إلى أراضيها.

ورغم الضغط الأمريكي، تبدو حكومة سانشيز مصمّمة على مسارها، ما يبرز بداية تصدع في وحدة الموقف الغربي التقليدي الداعم لإسرائيل، خصوصًا أن بيانات “مركز ديلاس” المتخصص في الأمن والدفاع أظهرت أن مدريد منحت منذ بداية حرب غزة 46 عقدًا بقيمة تتجاوز مليار دولار لشركات إسرائيلية، قبل أن تبدأ الآن في إلغائها واحدًا تلو الآخر.

ختام: بداية عزلة إسرائيلية داخل أوروبا

تؤشر الخطوة الإسبانية إلى تحوّل نوعي في التعاطي الأوروبي مع الاحتلال، من الانتقاد اللفظي إلى العقوبات الفعلية، لتشكل سابقة قد تشجع دولًا أوروبية أخرى على تبني سياسات مماثلة. كما أنها تفضح هشاشة الرواية الإسرائيلية التي طالما زعمت أن الدعم الأوروبي والأمريكي “ثابت وغير قابل للتأثر”، بينما تظهر الوقائع أن صور الضحايا في غزة باتت أقوى من دعايات تل أبيب.

إن إلغاء عقود تسلح بمئات الملايين، وفرض حظر شامل على مرور الأسلحة إلى إسرائيل، يشكل تصعيدًا غير مسبوق يعكس انهيار الثقة الأوروبية في سلوك الاحتلال، ويضع تل أبيب أمام عزلة متزايدة حتى داخل أكثر الدوائر الغربية قربًا منها. وبينما تراهن إسرائيل على القوة العسكرية لفرض وقائع جديدة، تكشف إسبانيا اليوم أن كلفة جرائم الحرب قد تكون باهظة إلى حد فقدان الحلفاء.

اقرأ أيضًا : 16 سفينة من أسطول الصمود العالمي تتجه نحو غزة: محاولة جريئة لكسر الحصار الإسرائيلي