تشهد محافظة قابس في الجنوب الشرقي التونسي حالة من الغليان الشعبي بعد أن أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، السبت، عن إضراب عام شامل الثلاثاء المقبل، احتجاجًا على ما وصفه بـ”القتل البطيء” الذي تتعرض له المدينة منذ عقود بسبب التلوث الناتج عن أنشطة المجمع الكيميائي. هذا القرار جاء تتويجًا لسلسلة احتجاجات متواصلة نظمها الأهالي للمطالبة بوقف الانبعاثات الغازية السامة التي حولت الحياة في المدينة إلى جحيم بيئي وصحي.

الكاتب العام للاتحاد المحلي للشغل في قابس، صلاح بن حامد، أكد أن الهيئة الإدارية الجهوية اتخذت القرار بالإجماع، مشددًا على أن الاتحاد “سيبقى في حالة انعقاد دائم للتفاعل مع أي تطورات”. هذا الموقف يعكس تصاعد حدة الغضب الاجتماعي من جهة، وتنامي التوتر بين الهياكل النقابية والسلطة المركزية من جهة أخرى، في ظل سياسة قمعية يتبعها الرئيس قيس سعيد تجاه الأصوات المعارضة والمحتجة.

قابس تختنق بين الفوسفات واللامبالاة الرسمية

قابس، المدينة المطلة على البحر الأبيض المتوسط، كانت تُعرف بجمالها الطبيعي وواحاتها الخضراء، لكنها تحولت خلال العقود الأخيرة إلى أحد أكثر مناطق تونس تلوثًا بسبب أنشطة المجمع الكيميائي الذي أُنشئ سنة 1972 لتصفية الفوسفات. اليوم، يعيش أكثر من 18 ألف نسمة في منطقة شاطئ السلام وسط روائح خانقة وانبعاثات غازية تؤدي إلى أمراض تنفسية مزمنة، وتلوث في المياه والتربة والهواء.

وخلال الأسابيع الماضية، ازداد الغضب الشعبي بعد حادثة اختناق مجموعة من التلاميذ في إحدى المدارس الإعدادية نتيجة تسرب غازي من إحدى وحدات الإنتاج، ما أثار موجة سخط واسعة في صفوف الأهالي، ودفعهم إلى تنظيم وقفات احتجاجية متكررة للمطالبة بإغلاق الوحدات الملوثة أو نقلها بعيدًا عن المناطق السكنية.

ورغم الوعود الحكومية المتكررة منذ سنوات، لم تشهد المدينة أي حلول ملموسة. الرئيس قيس سعيد نفسه اعترف قبل أيام بضرورة “وضع حد للتلوث الكيميائي في قابس وإصلاح ما يجب إصلاحه في أقرب وقت”، لكنه لم يقدّم أي خطة زمنية أو خطوات تنفيذية واضحة، وهو ما اعتبره المحتجون محاولة لامتصاص الغضب دون نية حقيقية للتغيير.

اتحاد الشغل في مواجهة السلطة

قرار الاتحاد العام التونسي للشغل بخوض الإضراب لا يمكن قراءته فقط في سياق بيئي أو اجتماعي، بل يأتي أيضًا كجزء من صراع متنامٍ بين المنظمة النقابية التاريخية والرئيس قيس سعيد، الذي ضيّق الخناق على النقابات والمجتمع المدني منذ استحواذه على السلطات في يوليو/تموز 2021.

ففي الوقت الذي تتهم فيه السلطة الاتحاد بإقحام نفسه في السياسة، يرى النقابيون أن الدفاع عن حقوق العمال والبيئة جزء لا يتجزأ من واجبهم الوطني. كما أن تصريحات سعيد المتكررة ضد “المنظمات التي تحرك الشارع” تُفهم كرسالة تهديد مبطنة لاتحاد الشغل، الذي يبقى أحد أبرز القوى القادرة على تعبئة الشارع رغم محاولات تهميشه.

السلطة التنفيذية لم تصدر بعد ردًا رسميًا على إعلان الإضراب، لكن مراقبين يتوقعون أن تلجأ إلى أسلوبها المعتاد في مثل هذه الحالات: إما التجاهل، أو توجيه اتهامات بـ”التحريض على الفوضى”، خاصة أن قيس سعيد لم يتردد سابقًا في وصف أي تحرك احتجاجي بأنه “مؤامرة” ضد الدولة.

التلوث كأداة للضغط السياسي

يتهم اتحاد الشغل الحكومة بالتواطؤ في استمرار الكارثة البيئية في قابس، معتبرًا أن الدولة “تعلم تمامًا حجم المخاطر الصحية التي يتعرض لها السكان لكنها تفضل الصمت لحماية مصالح لوبيات اقتصادية نافذة مرتبطة بصناعة الفوسفات”. في المقابل، تحاول الرئاسة تقديم نفسها كجهة “منقذة” عبر وعود مبهمة بإصلاح الوضع، في وقت تغيب فيه الإرادة السياسية لمعالجة الأسباب الجذرية للتلوث.

بيانات الاتحاد تشير إلى أن قابس “تتعرض لعملية قتل بطيء وصامت منذ عقود”، حيث أدى التلوث إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان والأمراض التنفسية بنسبة تفوق المعدل الوطني بكثير، كما دمّر البيئة البحرية والزراعية في المنطقة. ورغم أن تقارير بيئية دولية حذرت من خطورة الوضع، فإن الحكومة لم تتخذ خطوات جادة سوى إطلاق لجان تقنية شكلية بلا صلاحيات فعلية.

خاتمة: الإضراب اختبار جديد لسعيد

إضراب قابس الثلاثاء المقبل سيكون اختبارًا جديدًا للرئيس قيس سعيد في قدرته على التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية التي تتزايد في مختلف أنحاء البلاد. فإذا استمر في سياسة القمع والتجاهل، فقد يجد نفسه أمام تصعيد أوسع يقوده اتحاد الشغل، الذي يمتلك خبرة طويلة في إدارة التحركات الشعبية.

وفي المقابل، إذا اختار الحوار الجدي والاستجابة لمطالب السكان، فقد يكون ذلك فرصة نادرة لترميم جزء من الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع. لكن المؤشرات الحالية لا توحي بتغيير في النهج، إذ يواصل سعيد إحكام قبضته على المؤسسات، وتكميم الأفواه باسم “الدفاع عن الدولة”، حتى أصبحت البيئة نفسها — كما يقول أهالي قابس — ضحية لهذا القمع السياسي.

اقرأ أيضًا : صنعاء تنتفض في ذكرى بطل الطوفان.. مئات الآلاف يحيّون استشهاد يحيى السنوار نصرة لغزة