شهدت العاصمة اليمنية صنعاء، أمس الجمعة، واحدة من أكبر المظاهرات الشعبية منذ بدء الحرب على غزة، حيث احتشد مئات الآلاف في ميدان السبعين، تلبية لدعوة زعيم جماعة أنصار الله (الحوثيين) عبد الملك الحوثي، نصرة للشعب الفلسطيني وإحياءً للذكرى الأولى لاستشهاد القائد في حركة حماس يحيى السنوار، الذي اغتالته إسرائيل في عملية وُصفت بأنها “ضربة مؤلمة للمقاومة الفلسطينية”.
المظاهرة التي جاءت تحت شعار “عامان من العطاء.. ووفاء لدماء الشهداء”، لم تكن مجرد حدث شعبي عابر، بل رسالة سياسية ودينية تعبّر عن عمق التحام اليمنيين بالقضية الفلسطينية، وعن محاولة الجماعة تقديم نفسها كجزء من محور المقاومة الممتد من صنعاء إلى غزة مرورًا بطهران وبيروت.
السنوار رمز الطوفان ومُلهم محور المقاومة
رفع المشاركون في المظاهرة صور يحيى السنوار، الذي يُنظر إليه في أدبيات المقاومة باعتباره مهندس عملية “طوفان الأقصى”، التي غيّرت معادلات الصراع العربي الإسرائيلي في أكتوبر 2023. وبحسب شعارات المحتجين، فإن السنوار لم يكن مجرد قائد فلسطيني، بل رمزًا عابرًا للحدود “جسدَ وحدة الأمة الإسلامية في مواجهة المشروع الصهيوني”.
ويُعدّ السنوار من أبرز القادة الذين مثّلوا روح المقاومة المعاصرة، إذ جمع بين البعد العسكري والسياسي، وكان من أبرز دعاة بناء “محور القدس” الذي يضم فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق. ومن هنا، فإن إحياء ذكراه في صنعاء لا يُقرأ فقط كتعبير عن التضامن مع غزة، بل كتأكيد على “استمرارية مشروع المقاومة” رغم استشهاد رموزه.
ميدان السبعين يتحوّل إلى لوحة من الشعارات الثورية
منذ ساعات الصباح الأولى، غصّت ساحة ميدان السبعين بالمتظاهرين الذين رفعوا صور السنوار إلى جانب صور اللواء الركن محمد عبد الكريم الغماري، رئيس أركان قوات الحوثيين، الذي أُعلن مؤخرًا استشهاده في غارة إسرائيلية أواخر أغسطس الماضي.
المشاركون رفعوا أعلام فلسطين واليمن، ورددوا هتافات مناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة، التي وصفوها بـ”العدو الأول للأمة”، فيما انتشرت لافتات كتب عليها: “القدس أقرب”، “طوفان الأقصى مستمر”، “دماء السنوار لن تذهب سدى”.
وتحوّلت المظاهرة إلى ما يشبه المهرجان الجماهيري الذي مزج بين الحماس الديني والسياسي، حيث ألقى خطباء وشخصيات بارزة كلمات حماسية اعتبرت أن استشهاد السنوار “أعاد تعريف مفهوم النصر”، وأن الحرب على غزة “كشفت الوجه الحقيقي للهيمنة الأمريكية والصهيونية”.
رسائل الحوثيين.. من اليمن إلى غزة
تزامنت التظاهرة مع إعلان الحوثيين رسميًا استشهاد رئيس أركانهم، ما أضفى على المشهد بُعدًا تعبويًا مضاعفًا. ففي بيانها الرسمي، قالت الجماعة إن الغماري استُشهد مع نجله البالغ من العمر 13 عامًا أثناء “أداء واجبه الجهادي”، مؤكدة أن اليمن “قدّم شهداء من خيرة رجاله في معركة طوفان الأقصى دفاعًا عن فلسطين والقدس”.
هذا الخطاب يحمل في طيّاته رسائل سياسية واضحة إلى الداخل والخارج: إلى الداخل اليمني لتكريس شرعية “المعركة الإيمانية” التي تخوضها الجماعة، وإلى الخارج لتأكيد أن صنعاء باتت فاعلًا ميدانيًا في معادلة الردع الإقليمي ضد إسرائيل.
ويرى محللون أن الحوثيين يحاولون توظيف البعد الرمزي لاستشهاد السنوار والغماري معًا في بناء سردية جديدة تربط اليمن مباشرة بـ”محور المقاومة”، ما يمنح الجماعة زخماً شعبياً وإقليمياً، خصوصًا في ظل استمرار عملياتها البحرية ضد السفن الإسرائيلية والأمريكية في البحر الأحمر.
المشهد الإنساني في غزة يضاعف الغضب الشعبي
المتظاهرون لم يكتفوا بترديد الشعارات، بل حملوا صور الدمار والمجازر في غزة، حيث أدانت اللافتات ما وصفوه بـ”الإبادة الجماعية” التي خلّفت خلال عامين 67,967 شهيدًا و170,179 مصابًا، معظمهم من النساء والأطفال، فضلًا عن 463 فلسطينيًا قضوا جوعًا بسبب الحصار والمجاعة التي تسببت بها إسرائيل بدعم أمريكي وغربي.
هذه الأرقام التي ترددت على المنصات والخطب خلال المظاهرة، جعلت من الحدث اليمني أكثر من مجرد تضامن رمزي، بل “صرخة سياسية” في وجه المجتمع الدولي الذي فشل في وقف جرائم الحرب رغم قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.
ووسط بحر الأعلام الفلسطينية، ردد الحاضرون شعارًا أصبح أيقونة في المظاهرات اليمنية: “الموت لإسرائيل.. الموت لأمريكا.. النصر لفلسطين”. وهو الشعار الذي بات يمثل الربط العقائدي بين القضية الفلسطينية والخطاب التعبوي لأنصار الله.
قراءة في الدلالات السياسية للمظاهرة
من الناحية السياسية، تأتي هذه المظاهرة في توقيت دقيق، حيث تحاول جماعة أنصار الله تأكيد حضورها في المشهد الإقليمي كقوة لا يمكن تجاوزها، خصوصًا بعد الضربات التي تلقتها من إسرائيل في البحر الأحمر. ويبدو أن الجماعة أرادت من هذه المظاهرة الضخمة إيصال رسالتين متزامنتين: الأولى أن “دماء السنوار والغماري وقود لمسار المقاومة”، والثانية أن “اليمن لن يتراجع عن دعم فلسطين رغم الخسائر”.
كما أن اختيار ميدان السبعين –رمز الدولة اليمنية– لعقد الفعالية يحمل دلالة على رغبة الجماعة في تأكيد أن “القدس قضية وطنية يمنية”، وليست مجرد شأن ديني أو طائفي.
في المقابل، يرى مراقبون أن هذا الحراك يعكس أيضًا محاولة لتوحيد الجبهة الداخلية تحت راية “نصرة فلسطين”، في وقت تشهد فيه البلاد انقسامًا سياسيًا وعسكريًا حادًا بين صنعاء وعدن.
خاتمة: صنعاء في قلب المعادلة الإقليمية
هكذا، تحوّلت صنعاء، في ذكرى استشهاد يحيى السنوار، إلى ساحة رمزية تُعبّر عن استمرار معركة الوعي العربي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. فالمشهد اليمني –منذ طوفان الأقصى– لم يعد مجرد تضامن إعلامي، بل أصبح جزءًا من ميدان الصراع نفسه.
وفيما تواصل إسرائيل حصار غزة وتوسيع عدوانها في المنطقة، يبدو أن اليمنيين، من ميدان السبعين، أرادوا القول إن “دماء بطل الطوفان السنوار لن تُنسى”، وإنّ “المقاومة أصبحت لغة مشتركة لشعوب المنطقة الباحثة عن الكرامة والحرية”.
اقرأ أيضًا : 653 شاحنة فقط من أصل 4200.. إسرائيل تخنق المساعدات إلى غزة رغم اتفاق وقف النار