في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة رسم الخرائط الأمنية في قلب بلاد الشام، كشف موقع «أكسيوس» الأميركي عن تقديم دولة الاحتلال الإسرائيلي مقترحًا مفصلًا إلى النظام السوري يتضمن إقامة اتفاقية أمنية جديدة لتقسيم المنطقة الواقعة جنوب غرب دمشق وحتى حدود الجولان المحتل، على غرار اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل عام 1979 والتي قسّمت شبه جزيرة سيناء إلى ثلاث مناطق أمنية متفاوتة من حيث مستوى التسليح والسيطرة العسكرية.

تفاصيل المقترح: نسخ تجربة سيناء في الجنوب السوري

وفقًا للمصادر التي تحدثت للموقع، فإن المقترح الإسرائيلي ينص على تقسيم جنوب غرب دمشق إلى ثلاث مناطق أمنية متدرجة، بحيث تُمنح كل منطقة مستوى مختلفًا من السماح بوجود القوات والأسلحة السورية، كلما ابتعدت عن الحدود مع الأراضي المحتلة. 

كما يطالب الاحتلال بإنشاء منطقة منزوعة السلاح بالكامل تمتد بعمق عدة كيلومترات داخل الأراضي السورية، ويُحظر فيها وجود أي قوات عسكرية أو أسلحة ثقيلة، مع السماح فقط بانتشار قوات الشرطة والأمن الداخلي السوري.

ويتضمن المقترح أيضًا تمديد «المنطقة العازلة» القائمة بمقدار كيلومترين إضافيين داخل الأراضي السورية، وإنشاء منطقة حظر طيران للطائرات السورية على امتداد كامل المنطقة الواقعة بين جنوب غرب دمشق والحدود مع الجولان المحتل، وهو ما يعني فعليًا حرمان الجيش السوري من أي نشاط جوي أو تحركات عسكرية في المنطقة التي تمثل شريان الربط بين العاصمة دمشق ومحافظة درعا جنوبًا.

ويشير الموقع إلى أن الاحتلال ربط تنفيذ هذه الترتيبات بانسحاب تدريجي من الأراضي التي احتلها مؤخرًا داخل سوريا، باستثناء موقع استراتيجي على قمة جبل الشيخ، حيث أكد مسؤول إسرائيلي رفيع أن بلاده «لن تتخلى عن وجودها العسكري هناك تحت أي اتفاق مستقبلي».

أهداف خفية: ممر جوي لإيران وتفكيك السيادة السورية

ما يثير الانتباه هو ما كشفه أحد المصادر المطلعة للموقع، بأن أحد المبادئ الأساسية في المقترح الإسرائيلي هو الحفاظ على «ممر جوي مفتوح» عبر الأراضي السورية يسمح لسلاح الجو الإسرائيلي بعبور الأجواء السورية نحو إيران في حال تنفيذ ضربات مستقبلية ضدها، وهو ما يفضح البعد الاستراتيجي العميق لهذا المقترح الذي يتجاوز الجنوب السوري إلى إعادة هندسة المجال الجوي الإقليمي لمصلحة إسرائيل.

كما أن تقسيم جنوب دمشق إلى ثلاث مناطق أمنية منزوعة أو محدودة السلاح، يعيد إلى الأذهان تجربة سيناء بعد اتفاقية كامب ديفيد، حيث جرى تجريد مساحات واسعة من القوات المصرية وتحويلها إلى مناطق عازلة تحت رقابة دولية، وهو ما أسس لوضع دائم من الهيمنة الإسرائيلية الجوية والعسكرية على الحدود. 

ويبدو أن الاحتلال يسعى لتكرار النموذج ذاته في سوريا، بما يضمن له منطقة آمنة وخالية من أي تهديد عسكري سوري مستقبلي، ويؤسس في الوقت نفسه لواقع تقسيمي دائم يفتت وحدة البلاد.

موقف النظام السوري وخريطة الطريق الأميركية الأردنية

في موازاة ذلك، أعلنت وزارة الخارجية السورية رسميًا أن دمشق تعمل حاليًا بالتنسيق مع الولايات المتحدة والأردن على وضع «خريطة طريق» تهدف إلى استقرار الجنوب السوري ومعالجة الأزمة المتصاعدة في محافظة السويداء، وتتضمن هذه الخريطة — بحسب البيان — التوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل حول الجنوب السوري، على أن تعالج هذه التفاهمات «الشواغل الأمنية المشروعة لكل من سوريا وإسرائيل»، مع التأكيد في الوقت نفسه على «سيادة سوريا وسلامة أراضيها».

وجرى الإعلان عن هذه الخطة خلال مؤتمر صحفي مشترك في دمشق جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بنظيره الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، حيث أشار الشيباني إلى أن «الحكومة السورية منفتحة على أي ترتيبات تحفظ الاستقرار وتمنع التدخلات الخارجية»، بينما قال الصفدي إن الأردن سيدعم أي جهد مشترك يعيد الهدوء إلى الجنوب السوري.

لكن اللافت أن البيان السوري لم ينفِ بشكل مباشر وجود المقترح الإسرائيلي، ما يُفسَّر على أنه ترك الباب مفتوحًا أمام ضغوط أميركية وأردنية لقبول ترتيبات جديدة قد تُفقد سوريا السيطرة الفعلية على جزء حيوي من أراضيها.

مخاطر المقترح: تفكيك جديد لسوريا وترسيخ الاحتلال

يُنظر إلى هذا المقترح بوصفه جزءًا من مسار إسرائيلي طويل الأمد يسعى لتقسيم سوريا فعليًا إلى كانتونات أمنية ضعيفة لا تملك سيطرة سيادية كاملة، وهو ما يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف الدولة السورية ومنع إعادة بناء جيش موحد قادر على استعادة الجولان المحتل أو تهديد التفوق الإسرائيلي في المنطقة.

كما أن فرض منطقة حظر جوي فوق الجنوب السوري يعني فعليًا سيطرة إسرائيلية على المجال الجوي السوري، وهو ما سيحوّل هذا الجزء من البلاد إلى منطقة معزولة ومنزوعة السيادة، ويفتح الباب أمام تدخلات عسكرية مستقبلية بذريعة حماية الأمن الإسرائيلي. كما أن الإبقاء على الوجود الإسرائيلي في جبل الشيخ سيمنح تل أبيب منصة مراقبة وسيطرة متقدمة داخل العمق السوري.

في المحصلة، يظهر المقترح الإسرائيلي كخطوة خطيرة تهدف إلى تكريس واقع تقسيمي جديد في سوريا على غرار سيناء، بما يعزز اليد العليا للاحتلال ويقوّض سيادة الدولة السورية، ويمهّد لتحويل الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ خاضعة لرقابة أمنية إسرائيلية مستمرة، وهو ما يهدد بتكريس تفكيك سوريا على المدى البعيد.

اقرأ أيضًا : الاحتلال ينصب الحواجز بالضفة.. وعباس يخذل المقاومة في نابلس