أقرّ مجلس النواب المصري اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة مع السعودية، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين من خلال توفير بيئة استثمارية آمنة وجاذبة للمستثمرين.

تأتي هذه الخطوة في سياق الجهود المشتركة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، حيث تتضمن الاتفاقية ضمانات قانونية للمستثمرين، بما يحد من المخاطر الاستثمارية ويشجع تدفق رؤوس الأموال في مختلف القطاعات الاقتصادية.

الاتفاقية، التي تم توقيعها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تتماشى مع رؤية البلدين لتعميق الشراكة الاقتصادية، إذ تزامن التوقيع عليها مع إعلان تأسيس مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، وهو كيان جديد يهدف إلى متابعة تنفيذ المشروعات المشتركة والعمل على تطوير العلاقات الاستثمارية بين البلدين.

ويُتوقع أن تسهم هذه الاتفاقية في زيادة حجم الاستثمارات المتبادلة، خاصة في ظل توجه السعودية نحو توسيع نفوذها الاقتصادي في مصر من خلال ضخ مزيد من الاستثمارات في المشروعات الكبرى.

استثمارات سعودية ضخمة في مصر مقابل اعتماد مصري متزايد

شهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر والسعودية تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث قدمت الرياض دعمًا ماليًا كبيرًا لمصر عبر إيداع مليارات الدولارات في البنك المركزي المصري، فضلًا عن ضخ استثمارات مباشرة في مختلف القطاعات. 

فمنذ عام 2014، تلقى السيسي ودائع سعودية بمليارات الدولارات لمساعدتها في مواجهة أزماتها المالية، حيث بلغت إجمالي الودائع السعودية 10.3 مليارات دولار بحلول 2022، بعد إضافة 5 مليارات دولار عقب أزمة خروج الأموال الساخنة من السوق المصرية.

بالإضافة إلى ذلك، بلغ حجم الاستثمارات السعودية في مصر 35 مليار دولار بحلول أكتوبر 2024، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم مع دخول الاتفاقية الجديدة حيز التنفيذ. 

كما زاد عدد الشركات السعودية العاملة في مصر، ما عزز سيطرة رأس المال السعودي على قطاعات استراتيجية مثل العقارات والبنية التحتية والصناعة. 

وفي المقابل، شهدت السوق السعودية تدفقًا ملحوظًا للاستثمارات المصرية، خاصة في قطاع العقارات، حيث ارتفع عدد الشركات المصرية العاملة في المملكة إلى 4000 شركة، مقارنة بـ 500 فقط قبل سنوات قليلة.

ومع ذلك، يطرح هذا النموذج من الشراكة تساؤلات حول مدى اعتماد النظام المصري على التمويل الخليجي في ظل تراجع الاقتصاد المحلي، خصوصًا أن هذه الاستثمارات تتزامن مع سياسة الخصخصة التي انتهجتها الحكومة المصرية، والتي أدت إلى بيع أصول وشركات كبرى للمستثمرين الخليجيين، ما يثير مخاوف من فقدان السيطرة على موارد الدولة لصالح رأس المال الأجنبي.

انعكاسات الاتفاقية على الاقتصاد المصري والمواطنين

في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة المصرية أن الاتفاقية الجديدة ستسهم في جذب المزيد من الاستثمارات، يرى محللون اقتصاديون أن الاعتماد المتزايد على رؤوس الأموال الخليجية، خاصة السعودية والإمارات، يجعل الاقتصاد المصري أكثر هشاشة ويضعف من قدرته على تحقيق تنمية ذاتية مستدامة.

من جهة أخرى، يعاني المواطن المصري من تدهور مستوى المعيشة، حيث تتزايد نسبة الفقر والتضخم في ظل ارتفاع الأسعار، وهو ما يعكس فشل السياسات الاقتصادية في توفير حلول حقيقية لمشاكل المواطنين.

إذ يتساءل كثيرون: هل تعود هذه الاتفاقيات بفوائد ملموسة على المصريين؟ أم أنها مجرد آلية جديدة لتعزيز هيمنة رؤوس الأموال الخليجية على مقدرات البلاد؟

يأتي ذلك في وقت تتوسع فيه موجة الخصخصة التي تسير فيها الحكومة، والتي شهدت بيع العديد من الأصول العامة لصالح صناديق استثمار خليجية، مما يقلل من قدرة مصر على التحكم في قطاعاتها الحيوية. 

كما أن استمرار الاعتماد على الودائع والاستثمارات الخليجية يجعل الاقتصاد المصري أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية، وهو ما ظهر في مواقف سابقة عندما مارست السعودية والإمارات ضغوطًا على الحكومة المصرية لاتخاذ قرارات تتماشى مع مصالحهما الإقليمية.

استثمارات متبادلة أم ارتهان اقتصادي؟

في ظل استمرار تدفق الاستثمارات السعودية والإماراتية إلى السوق المصرية، يتجدد الجدل حول طبيعة هذه العلاقة: هل هي شراكة اقتصادية متكافئة أم تبعية اقتصادية متزايدة؟.

في الوقت الذي تستفيد فيه مصر من تدفق الاستثمارات، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن لهذه الاستثمارات أن تساهم في خلق اقتصاد مصري مستدام ومستقل، بدلاً من إبقاء البلاد في حالة اعتماد دائم على التمويل الخارجي؟

اقرأ أيضًا : ولي العهد ومحاولة تلميع صورته: كيف تحولت “نبتة نيوم” إلى دعاية إعلامية لتغطية الدماء؟