أثار إعلان النيابة العامة البريطانية، اليوم الخميس، توجيه اتهامات لثلاثة ناشطين بدعم حركة “Palestine Action” – التي حظرتها وزارة الداخلية مؤخرًا وصنفتها كمنظمة “إرهابية” – موجة من الجدل الحقوقي والسياسي في المملكة المتحدة، وأعاد فتح النقاش حول استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لقمع الحركات الاحتجاجية المؤيدة لفلسطين.

المتهمون الثلاثة، وهم جيريمي شيبام (71 عامًا)، وجوديت موراي (71 عامًا)، وفيونا ماكلين (53 عامًا)، اعتُقلوا خلال مظاهرة وسط لندن في 5 يوليو الماضي، ووجهت لهم تهم بموجب المادة 13 من قانون الإرهاب لعام 2000، الذي يُجرم “إظهار الدعم لمنظمة محظورة”. ومن المقرر أن يمثلوا أمام محكمة ويستمنستر في 16 سبتمبر المقبل.

هذا الحدث لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع الذي تشهده بريطانيا، إذ تتصاعد الضغوط الشعبية ضد استمرار العلاقات العسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي، في الوقت الذي تزداد فيه فضائح شركات السلاح البريطانية، وعلى رأسها شركة “إلبيت سيستمز”، التي تعتبر الهدف الأساسي لحركة “Palestine Action”.

أصل الحظر: حملة منظمة لإسكات الصوت الفلسطيني

في 19 مايو/أيار 2024، أعلنت وزارة الداخلية البريطانية تصنيف حركة “Palestine Action” كمنظمة “إرهابية”، مستندة إلى ما وصفته بـ”الأعمال التخريبية والعدوانية ضد منشآت عسكرية وشركات خاصة”، في إشارة إلى الحملات التي نظمتها الحركة منذ 2020 ضد مصانع ومكاتب شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، المتورطة في تصنيع طائرات مسيرة وأسلحة تُستخدم في غزة والضفة الغربية.

لكن المراقبين الحقوقيين اعتبروا هذا التصنيف خطوة سياسية وليست قانونية، هدفها تجريم المقاومة السلمية ودعم حقوق الفلسطينيين. فالحركة لم تُتهم بقتل أو عنف مباشر ضد أفراد، بل قامت بأعمال تخريب موجهة رمزيًا ضد رموز الصناعات العسكرية.

ويؤكد ناشطون أن نشاط “Palestine Action” يندرج ضمن مبدأ “العصيان المدني”، الذي طالما احتفت به بريطانيا نفسها، حين استخدمه ناشطون في حركات تاريخية مثل “من أجل نزع السلاح النووي”، أو “احتجاجات المناخ”.

ومع ذلك، لم تتردد الحكومة البريطانية، برئاسة كير ستارمر، في الانخراط في الحملة اليمينية الرامية لتجريم الحركات المؤيدة لفلسطين، في محاولة واضحة لإرضاء لوبيات الضغط المؤيدة لإسرائيل، ولتحييد المعارضين من الشارع البريطاني.

تواطؤ حكومي ومفارقة قانونية

الأخطر في هذه القضية أن ما تقوم به الحكومة البريطانية لا ينفصل عن علاقة بنيوية بين الدولة والسوق، خصوصًا في ما يتعلق بعقود السلاح. فبريطانيا تُعد واحدة من أكبر مورّدي الأسلحة لإسرائيل، وقد وُثّق استخدام منتجات شركات بريطانية في استهداف المدنيين في غزة، بما في ذلك قنابل دقيقة التوجيه وطائرات مسيرة.

ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وجّهت منظمات حقوقية، بينها “ليبرتي” و”هيومن رايتس ووتش”، تحذيرات من خطورة استخدام قوانين الإرهاب لتقييد حرية التعبير والتجمع. فقد بات من الممكن اليوم في بريطانيا أن يتم اعتقالك فقط لارتدائك قميصًا عليه شعار “Palestine Action”، أو مشاركتك في وقفة احتجاجية تدعو لمقاطعة شركة متورطة في جرائم حرب.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات إلا في ضوء تواطؤ مؤسسات الدولة مع مصالح المجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي ـ البريطاني، فبدلًا من التحقيق في صفقات الأسلحة ومحاسبة الشركات الداعمة للاحتلال، يتم قمع الأصوات التي تفضح هذا التواطؤ.

وما يفاقم الأزمة أن التغطية الإعلامية لهذه التطورات، خاصة في وسائل الإعلام التقليدية، غابت عنها الموضوعية، فغالبًا ما يتم تصوير نشطاء “Palestine Action” كمخربين أو متطرفين، متجاهلين أنهم يمارسون شكلًا من أشكال الاحتجاج غير العنيف ضد الظلم والاحتلال.

ردود الأفعال الشعبية والدولية: تضامن يتصاعد رغم القمع

في مواجهة هذا التصعيد القانوني، دعت عدة منظمات حقوقية بريطانية ودولية إلى المشاركة في مظاهرة كبرى، من المزمع تنظيمها السبت المقبل في ساحة البرلمان وسط لندن، تضامنًا مع النشطاء المعتقلين، ودفاعًا عن حرية التعبير وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال. ويتوقع أن يتجاوز عدد المشاركين الـ500 شخص، وسط دعوات لأن تتحول الوقفة إلى منصة لفضح سياسات ستارمر تجاه القضية الفلسطينية.

وفي بيان لها، قالت حملة “أوقفوا تجارة السلاح” البريطانية: “إن تصنيف حركات مدنية كـ’إرهابية’ يكشف عن نفاق حكومي واضح. فالحكومة التي تروّج لديمقراطية التعبير، تستخدم في الوقت نفسه أكثر قوانين الإرهاب قسوة لتكميم الأفواه”.

كما عبّر نواب من حزب العمال السابقين، إضافة إلى أكاديميين ونشطاء يهود مناهضين للصهيونية، عن رفضهم لتجريم التضامن مع فلسطين، محذرين من “خلق سابقة خطيرة تضع أي نشاط سياسي في خانة الإرهاب، طالما أنه يزعج أصحاب النفوذ”.

خاتمة: بريطانيا في مفترق طرق أخلاقي

في النهاية، تكشف هذه القضية عن مفترق طرق تمر به بريطانيا: إما أن تتمسك بقيم الديمقراطية وحرية التعبير، وتراجع سياساتها في تصنيف الحركات المدنية، أو أنها تنزلق أكثر نحو قمع ممنهج لتجريم التضامن مع القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

قضية جيريمي وجوديت وفيونا ليست مجرد محاكمة لناشطين؛ بل هي اختبار لنزاهة النظام القانوني البريطاني، وقدرته على مقاومة ضغوط الصناعات العسكرية ولوبيات الاحتلال. والسؤال الجوهري هنا: هل أصبحت بريطانيا دولة تُجرّم من يرفض القتل، وتكافئ من يموّله؟

اقرأ أيضًا : طلعات تجسسية فوق غزة: التورط البريطاني الخفي في دعم الاحتلال الإسرائيلي