كشفت القناة 12 العبرية أنّ إيران نجحت في اختراق هاتف وزيرة العدل الإسرائيلية السابقة أييليت شاكيد خلال حرب الـ12 يوما بين تل أبيب وطهران في حزيران/ يونيو الماضي، في حادثة تعكس حجم الفجوة الأمنية في “إسرائيل” أمام هجمات الخصوم الإلكترونية.
ورغم محاولة الإعلام الإسرائيلي التهوين من أهمية الاختراق وحصره في حساب “تلغرام”، إلا أن دلالاته السياسية والأمنية تتجاوز مجرد حادث تقني عابر.

تفاصيل الاختراق: رابط خادع وهشاشة أمنية
وفق التقرير العبري، حاولت طهران عدة مرات اختراق هاتف شاكيد، قبل أن تنجح في دفعها للنقر على رابط مخصص أتاح لها الوصول إلى الجهاز. ولم يتم الكشف عن طبيعة الرابط أو أسلوب الإيقاع، لكن خبراء الأمن السيبراني يرجحون أنه اعتمد على تقنيات الهندسة الاجتماعية التي تستهدف ثغرات في السلوك البشري أكثر من البرمجيات.
الشاباك لم يبلغ شاكيد إلا بعد أسبوعين من الحادثة، وهو ما يثير علامات استفهام حول بطء الاكتشاف والاستجابة، خاصة أن المستهدفة شخصية بارزة تولت وزارة العدل وتزعمت حزب “يمينا”. مصادر مقربة منها ذكرت أن الضرر اقتصر على حساب “تلغرام”، لكن هذا لا يقلل من حجم الاختراق، إذ يكفي الحصول على بيانات شخصية أو مراسلات حساسة لفتح الباب أمام ابتزاز أو استغلال لاحق.
سجل الاستهداف الإيراني لشاكيد
شاكيد لم تكن بعيدة عن أعين الإيرانيين من قبل، فقد سبق أن حذرها مدير الشاباك الأسبق نداف أرغمان في 2016 و2017 من عمليات تجسس وتنصت طهرانية خلال توليها منصبها الوزاري. ورغم خروجها من الحياة السياسية عام 2022 بعد فشل حزبها في اجتياز نسبة الحسم، إلا أنها صرحت برغبتها في العودة مستقبلًا، ما يجعلها هدفًا دائمًا لأجهزة الاستخبارات.
هذا التكرار في محاولات الاختراق يكشف أن طهران تعمل بخطط طويلة المدى، تراكم البيانات حول شخصيات سياسية قد تعود للمشهد، وتستغل كل فرصة لزيادة نفوذها في الساحة الإسرائيلية.
بُعد استراتيجي: ما وراء العملية
لا يمكن قراءة هذه العملية كحادث فردي معزول، بل ضمن حرب سيبرانية مفتوحة بين إيران وإسرائيل. فطهران تسعى منذ سنوات لاختراق المنظومات العسكرية والسياسية والاقتصادية في تل أبيب، كرد على استهداف منشآتها النووية واغتيال علمائها.
اختراق هاتف وزيرة سابقة يحمل رسالة مزدوجة: أولًا، أن حتى الشخصيات المحمية عرضة للاستهداف؛ وثانيًا، أن إيران قادرة على الوصول إلى ما هو أبعد من الأنظمة العسكرية، نحو المستوى الشخصي والسياسي، بما يشكل تهديدًا للأمن الداخلي الإسرائيلي.
الشاباك وتحذيرات متأخرة
عقب الكشف عن الحادثة، أرسل جهاز “الشاباك” بروتوكولات جديدة للمسؤولين تحذرهم من النقر على روابط مجهولة، مع تعليمات لتعزيز إجراءات الحماية. لكن هذه الإجراءات تكشف رد فعل متأخرا أكثر مما تعكس سياسة وقائية فعالة.
كما يتضح أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعاني فجوة بين القدرات التقنية والوعي البشري، إذ تظل الثغرة الأكبر مرتبطة بسلوك المسؤولين أنفسهم. حادثة شاكيد نموذج صارخ على أن “الضغط على رابط” قد يكفي لإسقاط حصون سيبرانية كاملة.
تجنيد عملاء وتغلغل داخلي
في موازاة الهجمات السيبرانية، أعلنت السلطات الإسرائيلية ضبط عشرات المواطنين المتورطين مع إيران في مهام تجسسية متنوعة، من التخطيط لعمليات اغتيال إلى كتابة شعارات مؤيدة لطهران. حتى الشهر الماضي، جرى اعتقال 45 مشتبها به في 25 قضية منفصلة، ووجهت لوائح اتهام ضد 40 منهم.
هذا يعني أن إيران لا تكتفي بالاختراقات الإلكترونية، بل تعمل على تشكيل شبكات نفوذ داخل إسرائيل، مستغلة الثغرات الاجتماعية والاقتصادية لتجنيد أفراد لصالحها. وهو ما يزيد من شعور الهشاشة داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
دلالات على هشاشة الاحتلال
تكشف الحادثة بوضوح أن إسرائيل، رغم تفوقها التكنولوجي، ليست محصنة أمام هجمات خصومها. فإيران استطاعت أن تخرق جدار الحماية وتصل إلى شخصية سياسية رفيعة، بينما تكافح الأجهزة الأمنية لإقناع الرأي العام بأن الأضرار “محدودة”.
الحقيقة أن مجرد نجاح إيران في تنفيذ العملية يمثل ضربة معنوية تقوض الثقة في قدرة الاحتلال على حماية قادته ومسؤوليه. ويزداد هذا الضعف خطورة حين يتزامن مع حرب متعددة الجبهات: في غزة، وفي الساحة السيبرانية، وفي الداخل حيث يتم تجنيد عملاء.
خلاصة
حادثة اختراق هاتف أييليت شاكيد ليست تفصيلا عابرا، بل مؤشر على تراجع الردع السيبراني الإسرائيلي أمام خصم يستثمر الوقت والموارد في معركة طويلة النفس. فهي تعكس هشاشة منظومة الاحتلال في مواجهة حروب غير تقليدية، وتؤكد أن التفوق العسكري لا يكفي وحده إذا ما كانت الجبهة الداخلية مكشوفة.
إيران بهذا الاختراق بعثت برسالة واضحة: “إسرائيل ليست منيعة”، وأن الاختراقات القادمة قد تطال ما هو أخطر من هاتف وزيرة سابقة، وصولًا إلى قلب المؤسسة الأمنية والعسكرية نفسها.
اقرأ أيضًا : وزارة الشتات الإسرائيلية تخطط لحملة تحريضية ضد قطر وتركيا