في خطوة تعكس تصعيدًا سياسيًا وإعلاميًا متعمدًا، كشفت قناة كان العبرية أن وزارة الشتات الإسرائيلية تدرس إطلاق حملة دعائية ممنهجة ضد كل من قطر وتركيا، بتوجيه مباشر من وزير الشتات عميحاي شيكلي.
وتأتي هذه الحملة رغم استمرار العلاقات الدبلوماسية بين تل أبيب وكلتا الدولتين، ما يثير تساؤلات حول خلفيات القرار وأهدافه الإستراتيجية في هذا التوقيت الحساس.
فبينما تلعب قطر دور الوسيط الرئيسي في صفقة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال، تواصل تركيا الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل رغم الخلافات السياسية العميقة، خصوصًا المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

خلفية التحريض: استهداف الحلف القطري–التركي
بحسب التقرير، فإن رئيسة قسم التوعية في الوزارة هداس ميمون تحضّر لملامح الحملة، التي تستند على رواية إسرائيلية قديمة حول “رعاية قطر وتركيا لحركة حماس”.
ويعيد هذا التوجه للأذهان ما نشرته صحيفة إسرائيل اليوم منتصف الشهر الماضي من أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى التحالف القطري–التركي باعتباره “تهديدًا استراتيجيًا”، لا سيما مع استضافة الدوحة قادة حماس وتنامي النفوذ التركي في الساحة السورية.
وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن هذا التحالف يمثل كتلة قادرة على التدخل في الصراعات الإقليمية لصالح ما تصفه تل أبيب بـ“محور الإخوان المسلمين”، وهو خطاب قديم متجدد تحاول إسرائيل ترويجه لإعادة صياغة صورتها في الغرب باعتبارها خط الدفاع الأول ضد ما تصفه بـ“الإسلام السياسي”.
قطر في مرمى الدعاية الإسرائيلية
قطر التي اضطلعت خلال الأشهر الأخيرة بدور الوسيط الرئيس في المفاوضات بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، لم تسلم من الحملات التحريضية الإسرائيلية. ففي يونيو الماضي، بثت القناة 12 الإسرائيلية تقريرًا زعمت فيه وجود “وثائق قطرية” تشير إلى دعم الدوحة لتعزيز القدرات العسكرية لحماس.
غير أن قطر سارعت إلى نفي تلك المزاعم، مؤكدة أنها “تقارير مفبركة” هدفها تقويض جهود الوساطة وإحداث شرخ في علاقاتها مع الولايات المتحدة، خصوصًا أن نشرها جاء في لحظة تقدّم حقيقي في مباحثات وقف إطلاق النار.
هذا النمط من الاستهداف يوضح أن قطر لا تواجه فقط عراقيل ميدانية في دورها الوسيط، بل أيضًا حربًا دعائية تهدف لتجريدها من الشرعية السياسية والإقليمية.
تركيا بين خطاب مزدوج وضغط متصاعد
أما تركيا، فتبقى بالنسبة لإسرائيل دولة إشكالية مزدوجة الموقف: فهي عضو في حلف الناتو وحليف اقتصادي وعسكري ضمنيًا للغرب، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بخطاب سياسي داعم للقضية الفلسطينية ورافض للانتهاكات الإسرائيلية.
وترى الدوائر الإسرائيلية أن أنقرة تستخدم علاقاتها مع واشنطن لتعزيز نفوذها في ملفات سوريا وشرق المتوسط، بينما تموّل قطر سياساتها الإقليمية.
لذلك، فإن الحملة الدعائية الإسرائيلية ضد تركيا تهدف إلى تصويرها في الإعلام الغربي كداعم مباشر لحماس، بما يسهل على تل أبيب الضغط على العواصم الأوروبية والأمريكية للحد من أي تقارب سياسي أو اقتصادي مع أنقرة.
الأبعاد الإستراتيجية للتحريض
يمكن قراءة هذه الخطوة ضمن إستراتيجية أوسع تتبناها حكومة نتنياهو، تهدف إلى عزل أي طرف إقليمي يُحتمل أن يلعب دورًا مؤثرًا في مستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فالحملة لا تأتي من فراغ؛ بل هي جزء من محاولات منهجية لخلق “رواية مضادة” تحوّل الأنظار عن جرائم الحرب في غزة نحو “عدو خارجي” يُتهم برعاية المقاومة.
إسرائيل تدرك أن استمرار دور قطر كوسيط يحظى بقبول أمريكي، وبقاء تركيا على تماس مع ملف غزة وسوريا، يحدّ من قدرتها على فرض رؤيتها الأحادية للصراع. ومن ثم، فإن استهداف البلدين يندرج في إطار معركة كسب العقول الغربية أكثر مما هو مواجهة مباشرة على الأرض.
ردود الفعل المتوقعة
من المتوقع أن تثير هذه الحملة ردود فعل متباينة: فبينما قد تجد صدى لدى بعض دوائر اليمين الغربي المتحالف مع اللوبيات الإسرائيلية، فإنها قد تواجه مقاومة من أطراف أخرى تدرك خطورة إضعاف أدوار الوساطة الإقليمية، خصوصًا في لحظة تقترب فيها المفاوضات من مراحل حساسة.
كما أن قطر وتركيا، بحكم خبرتهما في مواجهة الحملات الإعلامية الموجهة، ستعملان على قلب الطاولة عبر تسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية، وربما توظيف هذه الحملة كدليل إضافي على أن تل أبيب تسعى لإفشال أي جهد حقيقي لتحقيق وقف إطلاق النار.
خاتمة: دعاية تعكس مأزقًا سياسيًا
في المحصلة، تعكس نوايا وزارة الشتات الإسرائيلية بإطلاق حملة دعائية ضد قطر وتركيا مأزقًا سياسيًا عميقًا تعيشه إسرائيل. فبدل الانخراط بجدية في مسار تفاوضي قد يفضي إلى تهدئة ووقف نزيف الدم في غزة، تواصل تل أبيب استثمار أدواتها الإعلامية للتحريض على القوى الإقليمية المؤثرة.
مثل هذه الحملات قد تحقق مكاسب تكتيكية على المدى القصير في صورة ضغط سياسي، لكنها على المدى الطويل تكشف عجز إسرائيل عن مواجهة الحقائق الإستراتيجية: أن أي حل للصراع لن يكون ممكنًا دون أدوار إقليمية فعّالة لقطر وتركيا، وأن التحريض والدعاية لا يمكن أن تحجب حقيقة الاحتلال المستمر وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني.
اقرأ أيضًا : رصاص الاحتلال يكمّم الحقيقة: اغتيال الصحفيين في غزة جريمة حرب ممنهجة