في خطوة تثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية والسياسية، أعلنت الحكومة البريطانية، اليوم الأحد، منح الشرطة سلطات أوسع لتقييد وتنظيم الاحتجاجات العامة، في تعديلٍ قالت إنه يأتي استجابةً لمخاوف “الجالية اليهودية” بعد تصاعد المظاهرات المؤيدة لفلسطين منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة.
غير أن القرار أثار موجة انتقادات واتهامات للحكومة بممارسة ازدواجية المعايير، وقمع الأصوات المناهضة للاحتلال تحت غطاء “الأمن المجتمعي”.

سلطات جديدة بذريعة “الخوف”
أوضحت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود أن القانون الجديد سيسمح للشرطة بأخذ “الأثر التراكمي” للاحتجاجات بعين الاعتبار عند فرض القيود، في إشارة إلى إمكانية تقييد أي نشاط احتجاجي يتكرر في نفس الأماكن أو يتسبب –بحسب تقدير السلطات– بـ“إزعاج أو ترهيب”.
وقالت محمود إن “الحق في التظاهر من الحريات الأساسية في بلادنا، لكن يجب موازنته مع حق الآخرين في العيش دون خوف”، مشيرةً إلى أن “المظاهرات المتكررة التي خرجت خلال الأشهر الماضية خلّفت شعوراً بعدم الأمان لدى بعض المجموعات الدينية، خصوصاً الجالية اليهودية”، وفق قولها.
وتابعت الوزيرة –التي تنتمي لحزب العمال الجديد بزعامة كير ستارمر– أن الحكومة ستعيد النظر في جميع القوانين المنظمة للاحتجاجات، في إشارة إلى احتمال توسيع صلاحيات الشرطة في المستقبل.
تضييق ممنهج على التظاهرات المؤيدة لفلسطين
تأتي هذه القرارات بعد يوم واحد فقط من مظاهرة ضخمة شهدتها العاصمة لندن، حيث احتشد عشرات الآلاف في شوارع المدينة للمطالبة بوقف الإبادة الجماعية في غزة ورفع الحصار عنها. وكانت الحكومة قد دعت منظمي المسيرة إلى تأجيلها، بدعوى “الظروف الأمنية الحساسة” بعد حادثة طعن وقعت قرب كنيس في مانشستر، لكن المتظاهرين أصروا على الخروج مؤكدين أن “تهمة معاداة السامية تُستخدم لتكميم الأفواه”.
ويرى مراقبون أن السلطات البريطانية تستغل حادثة مانشستر –التي قتل فيها شخصان بينهم المهاجم جهاد الشامي، وهو بريطاني من أصل سوري– لتبرير تشديد القبضة الأمنية ضد المحتجين المناصرين لفلسطين، رغم غياب أي علاقة بين الهجوم والمظاهرات السلمية.
ويُذكّر المشهد الحالي بسياسات مشابهة اتبعتها حكومة المحافظين السابقة برئاسة ريشي سوناك، التي عدّلت قانون “النظام العام” العام الماضي لمنح الشرطة سلطة منع المظاهرات إذا كانت “تحدث ضجيجاً مفرطاً” أو “تؤثر في النشاط الاقتصادي”، وهو ما وصفته منظمة العفو الدولية حينها بأنه “تجريمٌ تدريجي لحق التظاهر”.
ازدواجية المعايير: حين تكون الحرية انتقائية
اللافت أن الخطاب الرسمي للحكومة البريطانية لا يخلو من التناقض، فبينما تؤكد على “حرية التعبير” و“الديمقراطية”، تتعامل بصرامة مفرطة مع الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل، في حين تتسامح مع مظاهرات أخرى أكثر عنفاً.
ففي الوقت الذي تُقمع فيه المسيرات الداعمة لغزة، سمحت السلطات سابقاً بمظاهرات يمينية متطرفة حملت شعارات معادية للمهاجرين والمسلمين دون أي تضييق يُذكر، بل غالباً ما وُصفت بأنها “تعبير عن الرأي”.
ويرى محللون أن هذا التناقض يعكس انحيازاً سياسياً واضحاً لصالح الاحتلال الإسرائيلي، لاسيما بعد تبني الحكومة البريطانية رواية تل أبيب حول الحرب في غزة واتهام المتضامنين الفلسطينيين بـ“التحريض على الكراهية”.
وقال الباحث في شؤون الحريات العامة، جيمس ويلكنسون، في تصريح لصحيفة “ذا غارديان”:
“إن ما نراه اليوم هو انقلاب على جوهر الديمقراطية البريطانية، فالحكومة لا تفرض القيود حين يحتج الناس على الضرائب أو البيئة، لكنها تفعل ذلك عندما يهتفون لفلسطين، لأن صوت الضمير أصبح يُعتبر تهديداً سياسياً”.
خوف مصطنع أم صناعة للرأي العام؟
يرى بعض المراقبين أن الإشارة المتكررة إلى “خوف الجالية اليهودية” ليست سوى أداة سياسية تهدف إلى خلق غطاء قانوني وأخلاقي لقمع المظاهرات المؤيدة لفلسطين، خصوصاً أن أعداد المشاركين فيها فاقت توقعات الحكومة، وأصبحت تُمثل إحراجاً سياسياً متزايداً للحزب الحاكم.
وبحسب استطلاع رأي أجرته صحيفة “إندبندنت” الأسبوع الماضي، فإن أكثر من 62% من البريطانيين يعتقدون أن حكومتهم “تنحاز بشكل مفرط لإسرائيل” في حربها على غزة، فيما يرى 70% أن على لندن الدعوة إلى “وقف فوري لإطلاق النار”.
ويقول الناشط الحقوقي مايكل روز إن السلطات “تحاول شيطنة الحراك الشعبي المؤيد لفلسطين بوصفه مصدراً للانقسام أو الكراهية الدينية، بينما هو في الحقيقة تعبير إنساني عن رفض الإبادة”. وأضاف:
“الخطر الحقيقي ليس في المتظاهرين، بل في محاولات الحكومة تكميم الأفواه وإعادة تعريف الحرية وفق مصالحها السياسية”.
خاتمة: ديمقراطية على الورق
تسعى بريطانيا إلى تقديم نفسها باعتبارها “نموذجاً عالمياً للحريات”، لكنها اليوم تواجه اتهامات متزايدة بتقويض هذه القيم داخلياً. فكلما علت الأصوات المطالبة بإنهاء دعمها غير المشروط للاحتلال الإسرائيلي، سارعت الحكومة إلى تضييق المساحة العامة أمام المعارضة والمجتمع المدني.
وربما تكشف هذه الإجراءات أن لندن، التي طالما انتقدت دولاً عربية وأفريقية بسبب “قمع الاحتجاجات”، باتت تمارس النهج ذاته تحت مسميات جديدة: “الاستقرار المجتمعي” و“مكافحة الكراهية”.
وبينما تُغلق الشرطة الطرق أمام المتظاهرين في “هايد بارك”، تُفتح أبواب الصفقات العسكرية مع تل أبيب على مصراعيها. وهكذا يتضح أن الديمقراطية البريطانية تبقى، في نظر منتقديها، حريّة مشروطة… لا تُمنح إلا لمن يصفق للقتلة لا لمن يصرخ في وجههم.
اقرأ أيضًا : إيطالي يعتنق الإسلام داخل سجون الاحتلال: شهادة جديدة على وحشية إسرائيل ونور يسطع من الظلام