في مشهد صادم يعكس حجم الانحدار في الواقع الفلسطيني الداخلي، استُشهد طفلان برصاص أجهزة أمن السلطة الفلسطينية خلال عملية ملاحقة لوالدهما في بلدة طمون جنوب محافظة طوباس، في حادثة فجّرت موجة غضب واسعة وأعادت إلى الواجهة أسئلة خطيرة حول طبيعة الدور الأمني للسلطة، وحدود علاقتها بالاحتلال، ومسؤولية القيادة السياسية عن سفك الدم الفلسطيني.
الحادثة، التي وقعت مساء الأحد، لم تكن مجرد “خطأ أمني” عابر، كما يحاول البعض تصويرها، بل كشفت مرة أخرى عن منظومة أمنية باتت تعمل بمنطق الملاحقة والقمع، حتى لو كان الثمن حياة أطفال أبرياء.
![]()
تفاصيل الحادثة: رصاص يطال عائلة كاملة
بحسب ما أفادت به مصادر محلية، أطلقت أجهزة أمن السلطة النار على مركبة كانت تقل المطارد للاحتلال سامر سمارة بني عودة مع أفراد من عائلته في بلدة طمون، ما أدى إلى استشهاد نجله يزن سمارة (15 عامًا) على الفور، وإصابة شقيقته بجروح خطيرة في الرأس، قبل أن تُعلن لاحقًا استشهادها متأثرة بإصابتها.
وأشارت المصادر إلى أن سامر سمارة أُصيب خلال العملية وجرى اعتقاله، في مشهد أعاد للأذهان أساليب المطاردة التي يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي ضد المقاومين، لكن هذه المرة بأيدٍ فلسطينية.
الحادثة أثارت صدمة واسعة، ليس فقط بسبب استهداف مطارد، بل بسبب استباحة حياة عائلته، واستخدام القوة المفرطة دون اعتبار لوجود أطفال ومدنيين داخل المركبة.
إدانة حقوقية وشعبية: دم فلسطيني بلا مبرر
سارعت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين إلى إدانة ما وصفته بـ”الجريمة الخطيرة”، معتبرة أن ما جرى يأتي في سياق سياسة ممنهجة لملاحقة المقاومين، حتى وإن أدى ذلك إلى سقوط ضحايا من الأبرياء.
وأكدت اللجنة أن هذه السياسات تمثل “انحرافًا خطيرًا في البوصلة الوطنية”، وتحول الأجهزة الأمنية من أداة لحماية الشعب إلى أداة صدام معه، محملة المسؤولية لكل من أصدر الأوامر ووفّر الغطاء السياسي للعملية.
وشددت على أن محاولات تبرير الجريمة تحت مسمى “الواجب الأمني” لا تغيّر من حقيقة أن ما جرى هو قتل مباشر لأطفال فلسطينيين نتيجة قرار سياسي وأمني خاطئ.
كما طالبت بوقف فوري لسياسة الملاحقة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وفتح تحقيق مستقل وشفاف.
حماس وتحذير من الانفجار الداخلي
من جهتها، اعتبرت حركة حركة حماس أن قتل أجهزة السلطة لنجلي المطارد سامر سمارة “جريمة تعكس خطورة السياسات القمعية”، محذّرة من تداعياتها على السلم المجتمعي والنسيج الوطني.
وطالبت الحركة بمحاسبة المسؤولين عن الحادثة، ووقف التنسيق الأمني، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، معتبرة أن استمرار هذه السياسات يهدد بانفجار داخلي لا تُحمد عقباه.
ويعكس موقف حماس حالة الغضب الواسعة في الشارع الفلسطيني، الذي بات يرى في هذه الممارسات امتدادًا غير مباشر للاحتلال، لا مواجهة له.
دور القيادة السياسية: مسؤولية مباشرة لمحمود عباس
لا يمكن فصل هذه الجريمة عن السياق السياسي العام الذي ترعاه قيادة السلطة، وعلى رأسها محمود عباس، الذي يواصل منذ سنوات تبني نهج أمني قائم على التنسيق مع الاحتلال وملاحقة كل من يُصنَّف ضمن “المطلوبين”.
سياسات عباس، التي تُقدَّم تحت شعار “فرض النظام”، تحولت عمليًا إلى غطاء لقمع المقاومين، وتكميم الأصوات المعارضة، وتكريس منظومة أمنية منفصلة عن هموم الشعب.
وتُظهر حادثة طمون أن هذه السياسات لم تعد تقتصر على الاعتقالات والاستدعاءات، بل وصلت إلى مستوى القتل المباشر، حتى لو كان الضحايا أطفالًا.
وهو ما يضع القيادة أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية وقانونية لا يمكن التهرب منها.
التنسيق الأمني: أصل الأزمة ومصدر المأساة
يُجمع كثير من المراقبين على أن جذور هذه الحادثة تعود إلى منظومة التنسيق الأمني مع الاحتلال، التي حوّلت الأجهزة الفلسطينية إلى أداة لملاحقة من تضعهم “إسرائيل” على قوائمها.
في هذا الإطار، لا تعمل الأجهزة وفق منطق حماية المجتمع، بل وفق أولويات أمنية مرتبطة بالاحتلال، ما يجعل أي مطارد هدفًا مشروعًا، ولو كان محاطًا بعائلته وأطفاله.
وهنا تتحول السلطة من كيان يفترض أن يقود مشروع التحرر، إلى جهاز وظيفي يساهم في إضعاف المقاومة وتفكيك المجتمع من الداخل.
إلى أين يتجه المشهد الفلسطيني؟
حادثة استشهاد طفلي سامر سمارة ليست حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي عمّقت الشرخ بين السلطة وشعبها.
استمرار هذا النهج ينذر بتآكل ما تبقى من شرعية السلطة، وتصاعد حالة الغضب الشعبي، وربما انتقالها إلى أشكال احتجاج أكثر حدة.
وفي ظل غياب المحاسبة، وتكرار الجرائم، وتغوّل الأجهزة، يبدو المشهد الفلسطيني متجهًا نحو مزيد من الانقسام والاحتقان، ما لم تُراجع القيادة سياساتها جذريًا.
فدماء الأطفال في طمون لم تكن مجرد “خطأ”، بل رسالة دامية تقول إن المنظومة الحالية باتت خطرًا على شعبها، قبل أن تكون سندًا له.
اقرأ أيضًا : البحرين تنفي الوساطة وتخفي الانحياز: قراءة في أدوار خفية داخل الأزمة الخليجية المتصاعدة