كشفت نتائج استطلاع رأي حديث أجرته جامعة هارفارد الأميركية عن انقلاب غير مسبوق في توجهات الرأي العام بين الشباب الأميركي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ أظهر الاستطلاع –وفق صحيفة “هاريس” الإسرائيلية– أن 60% من جيل “زد” الأميركي يفضّلون حماس على إسرائيل، مقابل 40% فقط دعموا تل أبيب، وهو ما يشير إلى تحوّل جذري في وعي الأجيال الجديدة داخل الولايات المتحدة، وبداية تشكل بيئة اجتماعية وسياسية مناهضة للاحتلال على نحو لم تشهده واشنطن منذ عقود.

تحوّل في المزاج الأميركي: جيل يشاهد الحقائق دون فلترة

الاستطلاع الذي شمل أكثر من ألفي شاب أميركي خلال أغسطس/آب الماضي لم يكتف بتسجيل أرقام صادمة لإسرائيل، بل كشف عن فجوة واسعة بين الأجيال؛ فالأجيال الأكبر سناً –المرتبطة تاريخياً بالدعم التقليدي لإسرائيل– لا تزال أكثر ميلاً لخطاب تل أبيب، بينما أظهر جيل زد دعماً أوضح للفلسطينيين والمقاومة. ويرى محللون أن هذه التحولات ليست طارئة، بل مرتبطة بعوامل بنيوية، أهمها:

  1. تغيّر أدوات المعرفة: شباب جيل زد يعتمدون على شبكات التواصل ومنصات الفيديو، وليس الإعلام الأميركي التقليدي المنحاز تاريخياً لإسرائيل. ما يرونه هو صور حية للدمار والقتل في غزة، وليس رواية رسمية مصفّاة.

  2. تراجع الثقة في المؤسسة السياسية والإعلامية: تصاعد السخط الشعبي على ازدواجية المعايير الأميركية في ملفات حقوق الإنسان جعل الشباب أكثر ميلاً لانتقاد سياسة واشنطن الخارجية، خصوصاً دعمها العسكري غير المشروط لإسرائيل.

  3. تنامي الوعي التقدمي: التيارات الجامعية الجديدة تعتبر فلسطين رمزاً للعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية، وتجعل من مقاومة الاحتلال امتداداً لنضالات الأميركيين السود واللاتينيين وحركات التحرر العالمية.

هذا الانقلاب في المزاج، وفق مراقبين، يعني أن الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل لن يبقى مضموناً خلال عقد أو اثنين، وأن مستقبل السياسة الأميركية قد يشهد صعود جيل يعتبر المقاومة الفلسطينية حركة تحرر مشروعة.

الجامعات الأميركية… ساحة صدام متجدد مع إسرائيل

صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية رصدت استمرار ما وصفته بـ”العداء الطلابي لإسرائيل” داخل الجامعات الأميركية، مؤكدة أن نهاية الحرب في غزة لم تغيّر من صورتها المتدهورة بين الشباب، بل زادت من رسوخها.

الصحيفة تحدثت عن أن “التلقين المناهض لإسرائيل” –وفق تعبيرها– لم يعد حكراً على اليسار التقدمي، بل تسرب إلى جزء من اليمين الشبابي الذي يرى في دعم إسرائيل عبئاً اقتصادياً وأمنياً على الولايات المتحدة.

هذا الواقع يعكس –بحسب محللين– نجاحاً سياسياً ورمزياً للمقاومة؛ فبمجرد أن تتحول السردية الفلسطينية إلى قضية أخلاقية داخل الجامعات الأميركية، تصبح أي محاولة حكومية لإعادة صياغة الرواية صعبة ومعقدة، لاسيما مع انتشار حركات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية التي يشارك فيها آلاف الطلاب.

ترامب بين نتنياهو وغزة: علاقة مربكة وسياسة متشابكة

في سياق متصل، ناقشت صحيفة “ذا ناشونال إنترست” الدور الذي يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعبه في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن إدارة ترامب تتبنى خطاباً يقوم على تهدئة الصراعات، لكنها في الواقع تتورط في ملفات معقدة تشمل غزة والعراق ولبنان وسوريا.

وترى الصحيفة أن ترامب يسعى إلى تقديم نفسه كمهندس للسلام الإقليمي، لكن هذا الدور يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن أي تعثر في غزة أو توسع في الحرب قد يقوّض صورة ترامب كرجل صفقات ناجحة.

أما صحيفة “معاريف” فتطرّقت إلى مقال للكاتبة آنا بارسكي حول علاقة ترامب بنتنياهو، مشيرة إلى أن ما بدأ كتحالف أيديولوجي وانسجام سياسي، تحول الآن إلى فخّ سياسي لكلا الطرفين، خاصة بعد رسالة ترامب لنتنياهو لطلب العفو الرئاسي عنه.

المقال أشار إلى أن نتنياهو –المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب– أصبح عبئاً سياسياً على ترامب، بينما يسعى الأخير إلى استثمار ورقة غزة لتحقيق مكاسب انتخابية، عبر إظهار نفسه كزعيم قادر على إخضاع نتنياهو واحتواء الأزمة.

نجاح المقاومة… تأثير يتجاوز حدود غزة

يرى محللون أن هذا التحوّل في الرأي العام الأميركي بين الشباب لا يمكن فصله عن نجاح المقاومة الفلسطينية في تغيير معادلة السردية العالمية.

فطوال عقود، كانت إسرائيل تهيمن على رواية الصراع عبر أدوات إعلامية وسياسية ضخمة، لكن الحرب الأخيرة على غزة –بما رافقها من جرائم موثقة– جعلت الملايين يشاهدون الحقيقة مباشرة:

قصف مستشفيات، مجازر جماعية، حصار شامل، وتجويع متعمد للسكان.

المقاومة استطاعت رغم الكلفة الإنسانية الهائلة أن:

  • تحافظ على صمود عسكري غير متوقع رغم التفوق النوعي الهائل لإسرائيل.
  • تكسر الهيمنة الإعلامية الإسرائيلية عبر مقاطع مباشرة من الميدان.
  • تفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي مباحثات سياسية.

هذه العناصر مجتمعة دفعت قطاعاً من الشباب الأميركي إلى إعادة تقييم مواقفهم، ورؤية المقاومة كامتداد لحركات التحرر التي درستها الأجيال الجديدة في المناهج النقدية واليسارية.

القصة الإنسانية… أماني نموذجاً

صحيفة “الإندبندنت” البريطانية قدّمت مثالاً صارخاً عن معاناة المدنيين في غزة من خلال قصة أماني، 34 عاماً، التي حصلت على منحة لإكمال الماجستير في جامعة بريستول لكنها لم تستطع السفر بسبب القيود المفروضة على سكان القطاع.

قصة أماني التي هجّرت مع عائلتها سبع مرات، وتحولت حياتها إلى رحلة بحث عن الأمان، تلخص الوجه الإنساني للحرب، وتكشف لماذا أصبح الشباب الأميركي أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين، وأكثر غضباً من السياسات الإسرائيلية.

اقرأ أيضًا : النازحون يتزايدون ومسارات الإغاثة مغلقة ولا يزال بن زايد يشعل فتيل الحرب