في خطوة جديدة تكشف عن تعقيدات العلاقة بين المال والسياسة داخل دوائر النفوذ الأمريكية، أعلن الديمقراطيون في لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي بمجلس النواب فتح تحقيق رسمي مع مايكل بولس، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية صفقة مالية مثيرة للجدل ارتبطت برجل أعمال سعودي يخضع منذ سنوات لإجراءات عقابية في المملكة.
القضية تفتح الباب مجددًا أمام التساؤلات حول استغلال عائلة ترامب لعلاقاتها السياسية لتحقيق مصالح مالية، كما تعيد إلى الواجهة ملف الفساد السعودي في عهد ولي العهد محمد بن سلمان.
صفقة غامضة وظلال سعودية
تعود جذور القصة إلى صيف عام 2022، قبيل زواج بولس من تيفاني ترامب، حين التقى بولس مع ابن عمه جيمس فرنجية ورجل الأعمال السعودي عبد الإله علام، لبحث صفقة مالية قُدرت بـ100 ألف دولار. ووفقًا لتقرير صحيفة نيويورك تايمز، فقد دار الحديث حول ترتيبات تسمح لعلام بحضور حفل الزفاف في منتجع “مار-أ-لاغو” الفخم المملوك لعائلة ترامب.
لكن الغموض سرعان ما أحاط بالقضية، إذ قدم الأطراف الثلاثة روايات متضاربة بشأن طبيعة المبلغ: هل كان قرضًا لتسوية ديون؟ أم اتفاقًا مستقلًا؟ أم مجرد دفعة رمزية؟ تضارب الأقوال كشف عن محاولة لإخفاء دوافع الصفقة الحقيقية، خصوصًا مع ورود رسائل نصية بين فرنجية وعلام تحدثا فيها عن “تهيئة المسؤولين الأمريكيين” عبر إبراز صلات علام بعائلة ترامب.
الكونغرس يدخل على الخط
أمام هذه المعطيات، تحرك الديمقراطيون سريعًا. فقد شدد النائب روبرت غارسيا على أن هذه المزاعم – إذا صحت – تمثل “محاولة فاسدة ومتهورة من عائلة ترامب لاستغلال موقعها السياسي لتحقيق مكاسب شخصية”، محذرًا من أن القضية تمس الأمن القومي الأمريكي إذا ما تداخلت فيها مصالح مالية سعودية مع مسارات السياسة الخارجية.
وطالبت اللجنة البرلمانية بولس بتقديم جميع السجلات المصرفية والوثائق الخاصة بالتحويل المالي، بالإضافة إلى أي اتصالات مرتبطة بمشاركة علام في حفل الزفاف. الهدف واضح: كشف ما إذا كان المال السعودي قد استُخدم أداة للتأثير على قرارات أو مواقف سياسية أمريكية.
رجل أعمال في مواجهة حملة بن سلمان
الاسم الذي يتكرر في قلب القضية – عبد الإله علام – ليس شخصية عابرة. فمنذ عام 2017، وجد نفسه ضمن حملة “مكافحة الفساد” التي أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان، والتي شملت اعتقال العشرات من رجال الأعمال والأمراء، ومصادرة أصول بمليارات الدولارات.
هذه الحملة، التي رُوّج لها كخطوة إصلاحية، وُصفت في تقارير غربية بأنها غطاء لإعادة توزيع الثروة وتعزيز قبضة بن سلمان على الاقتصاد والسياسة. كثير من المستهدفين لم يُقدَّموا إلى محاكمات علنية، بل أُجبروا على تسويات مالية سرية مقابل الإفراج عنهم. وجود رجل مثل علام في صفقات مرتبطة بعائلة ترامب يعيد إلى الأذهان تساؤلات حول كيفية توظيف أموال رجال الأعمال السعوديين في بناء نفوذ سياسي بالخارج، بعد أن جرى التضييق عليهم داخليًا.
ترامب والسعودية.. سجل طويل من المصالح
ليست هذه الحادثة الأولى التي يُثار فيها اسم ترامب وعائلته في سياق مصالح مالية سعودية. فقد سبق أن وُجّهت اتهامات للرئيس السابق بتلقي استثمارات ضخمة عبر شركاته من صناديق سعودية وإماراتية، خاصة بعد خروجه من البيت الأبيض. كما ارتبط صهره الآخر، جاريد كوشنر، بصفقة استثمارية ضخمة مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي بلغت قيمتها ملياري دولار، رغم اعتراض خبراء ماليين على جدواها.
هذا النمط يكشف – بحسب محللين – عن علاقة تبادلية: عائلة ترامب تحصل على دعم مالي، بينما يحصل ولي العهد السعودي على قناة نفوذ غير رسمية داخل النخبة الأمريكية، تساعده على تحسين صورته والتأثير على دوائر القرار.
دلالات التحقيق وأبعاده السياسية
فتح التحقيق البرلماني في هذه القضية يتجاوز تفاصيل الـ100 ألف دولار. فالأمر يعكس قلق المؤسسة التشريعية الأمريكية من اختراق المال الأجنبي للسياسة الأمريكية، خاصة حين يرتبط بدول مثل السعودية التي تواجه اتهامات واسعة بانتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب في اليمن وقمع المعارضين في الداخل.
كما أن التوقيت مهم: التحقيق يأتي بينما يستعد ترامب لخوض انتخابات جديدة، وهو ما قد يفتح الباب أمام خصومه السياسيين لاستغلال هذه القضايا لاتهامه بالفساد والارتهان لمصالح أجنبية.
بين الفساد السعودي والمصالح العائلية
الملفت أن القضية تكشف التقاء فسادين في آن واحد:
-
فساد داخلي سعودي يقوده محمد بن سلمان عبر مصادرة أموال رجال الأعمال وابتزازهم ماليًا تحت شعار “مكافحة الفساد”.
-
فساد سياسي أمريكي محتمل، عبر استغلال عائلة ترامب مكانتها لتلقي أموال أو تسهيلات مالية من شخصيات مرتبطة بأنظمة استبدادية.
هذا التلاقي يسلط الضوء على شبكة معقدة من المصالح المتبادلة بين رجال السياسة والمال، حيث يتحول حفل زفاف خاص إلى ساحة محتملة لتبادل النفوذ والصفقات.
خلاصة
القضية الراهنة ليست مجرد “قصة زفاف” بقدر ما هي مرآة تكشف عمق تشابك المال والسياسة بين واشنطن والرياض. فتحقيق الكونغرس مع صهر ترامب يظهر أن النفوذ السعودي لم يتوقف عند شراء الأسلحة أو الصفقات النفطية، بل امتد ليشمل دوائر اجتماعية وسياسية ضيقة داخل عائلة الرئيس الأمريكي السابق.
وفي الوقت الذي يحاول فيه محمد بن سلمان تقديم نفسه كرجل إصلاح، فإن ما تكشفه هذه القضية يعيد إلى الأذهان أن الفساد في السعودية لم يُستأصل بل أُعيد إنتاجه بطرق أكثر دهاءً، وأن عائلة ترامب ربما وجدت فيه فرصة لتحقيق مكاسب شخصية.
التحقيق إذن لا يخص بولس وحده، بل يعكس سؤالًا أكبر: إلى أي مدى يمكن أن يؤثر المال السعودي على صناعة القرار في الولايات المتحدة؟
اقرأ أيضًا : خلال يومين.. مايكروسوفت تفصل 4 موظفين احتجوا على تعاونها مع الاحتلال