على مدار العقد الماضي، مثّل التقارب بين الرياض وأبوظبي نموذجاً للتحالف الاستراتيجي لبسط النفوذ على دول المنطقة العربية خاصة بعد ثورات الربيع العربي.

غير أن هذا التحالف الوثيق شهد تحولاً جذرياً في السنوات الأخيرة، حيث تباينت الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، وانتقلت العلاقة من التنسيق المشترك إلى التنافس على النفوذ والقيادة، والاستفزاز في بعض الأحيان خاصة من دويلة الإمارات التي تسعى لبسط السيطرة والنفوذ.

أبعاد الاستفزاز الإماراتي: خروج غير مسبوق من عباءة أوبك وتداعياته

شكّل الإعلان الإماراتي عن الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) نقطة تحول كبرى وتحدياً مباشراً لهيمنة الرياض التاريخية على قرارات المنظمة. لطالما استخدمت السعودية قدراتها الإنتاجية الضخمة لضبط أسواق النفط العالمية، مما جعل القرارات الاقتصادية خاضعة لقيادتها المباشرة.

وجاء القرار الإماراتي ليعكس رغبة أبوظبي في التحرر من القيود الإنتاجية، وهو ما اعتبره العديد من المراقبين خطوة استفزازية وفاشلة لإنهاء الهيمنة السعودية على تسعير وإنتاج النفط. تسعى الإمارات إلى الاستفادة الكاملة من طاقتها الإنتاجية وتطوير استراتيجيتها النفطية المستقلة. 

هذا التحول لم يقتصر على قطاع الطاقة فحسب، بل امتد ليشمل سباقاً محموماً لجذب الاستثمارات العالمية والشركات متعددة الجنسيات، في ظل سعي السعودية الحثيث لتحويل الرياض إلى مركز مالي ولوجستي إقليمي ينافس دبي مباشرة.

صدام المصالح في الملفات الإقليمية: اليمن والسودان

التباين الاستراتيجي في اليمن

بعد أن خاض البلدان حملة عسكرية مشتركة عام 2015 لدعم الحكومة اليمنية الشرعية ضد الحوثيين، تباينت الأهداف الاستراتيجية بوضوح؛ حيث تركز الرياض على تأمين حدودها الجنوبية وضمان بقاء يمن موحد، بينما دعمت أبوظبي ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي لتعزيز نفوذها على الموانئ وطرق الشحن الاستراتيجية في جنوب شبه الجزيرة العربية، مما خلق احتكاكات على الأرض.

الأزمة السودانية

امتد التنافس إلى شرق أفريقيا، وتحديداً في السودان، حيث تباينت المقاربات تجاه الحرب الأهلية التي خلفت أزمة إنسانية كبرى. تدعم السعودية الجيش السوداني للحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انهيار البلاد، بينما واجهت الإمارات اتهامات بدعم ميليشيا الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي باستمرار، إلا أن كل الدلائل تشير إلى أبوظبي كونها مسعر تلك الحرب وتاجر الدماء في السودان.

احتكاك دبلوماسي وتوازن حذر

لم تعد الخلافات حبيسة الغرف المغلقة، بل طفت على السطح لتصل إلى الساحة الدولية والإدارة الأمريكية. برزت تباينات واضحة بين القيادتين حول قضايا العقوبات والاستراتيجيات الإقليمية. 

ومع ذلك، لا تزال الدولتان حريصتين على تجنب القطيعة التامة، وهو ما يتجلى بوضوح في التضامن المتبادل عند حدوث تهديدات أمنية خارجية، مثل التنسيق في مواجهة التهديدات الإيرانية وتأكيد البلدين على أهمية العلاقات الاستراتيجية المشتركة في الأوقات الحرجة.

خاتمة: مستقبل العلاقات الخليجية

تشير المعطيات الحالية إلى أن التوترات بين الدولتين الخليجيتين لم تعد مجرد تباينات تكتيكية عابرة، بل تعبر عن مسارات استراتيجية مختلفة إذ تريد الإمارات ومن ورائها الاحتلال الإسرائيلي أن تبسط سيطرتها ونفوذها على دول المنطقة وهو ما يتنافى مع الاستراتيجية السعودية التي تراقب الاستفزازات الإماراتية عن كثب وتتحرك بشكل أكثر هدوءا

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان