بينما تمتلئ شوارع القدس بآلاف المستوطنين المتطرفين في “مسيرة الأعلام” الاستفزازية، وتشهد المدينة تصعيداً غير مسبوق من قوات الاحتلال وجماعات الهيكل، تستمر السلطة الفلسطينية في موقفها الصامت والمخزي، مكتفية بقمع المقاومين في الضفة، وترك الميدان فارغاً أمام تهويد الأقصى والاعتداء على المقدسيين.

 

مسيرة الأعلام: تهويد على وقع الطبول والرايات

في ذكرى احتلال الشطر الشرقي من القدس عام 1967، تتجدد “مسيرة الأعلام” الإسرائيلية كل عام، وتتحول إلى استعراض سافر لقوة المستوطنين داخل البلدة القديمة تحت حماية آلاف الجنود الإسرائيليين. 

هذا العام، بلغت الاستعدادات ذروتها، حيث نشرت شرطة الاحتلال آلاف العناصر، ونصبت الحواجز الحديدية حول باب العمود، أهم مداخل البلدة القديمة، في مشهد احتلالي بامتياز.

من المتوقع أن يشارك في المسيرة عشرات الآلاف من المستوطنين، من بينهم وزراء وشخصيات حكومية متطرفة، يتقدمهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي اقتحم صباح اليوم المسجد الأقصى تحت حماية القوات الإسرائيلية. وظهر بن غفير متحديًا، ملوّحًا بتكريس السيادة الإسرائيلية على المسجد قائلا: “صعدت إلى الحرم القدسي وصليت من أجل رئيس الشاباك الجديد”.

يأتي ذلك وسط دعوات وتحريضات واسعة من منظمات “الهيكل” التي تحشد منذ أيام لاقتحام الأقصى وفرض وقائع جديدة، مستفيدة من الغطاء السياسي والأمني الرسمي لحكومة الاحتلال المتطرفة.

الأقصى في مرمى الاقتحامات.. و”جماعات الهيكل” تصعّد التحريض

منذ فجر اليوم، اقتحم أكثر من 1000 مستوطن باحات المسجد الأقصى، بينهم شخصيات دينية ومستوطنون من الضفة والقدس المحتلة، بالتزامن مع حماية مشددة من شرطة الاحتلال التي منعت الفلسطينيين من دخول المسجد واعتدت على حراسه.

واستخدم المستوطنون هذه الاقتحامات كمنصة لتأدية طقوس دينية علنية، والرقص والغناء داخل المسجد، وسط مطالبات من حاخامات كبار بإقامة صلاة جماعية مساء اليوم في باحات الأقصى، في سابقة خطيرة تهدف لتحويل الأقصى إلى ميدان عبادة يهودي بشكل علني ومنظم.

ونشرت جماعات “الهيكل” مقاطع دعائية تضم دعوات من 13 حاخامًا بارزًا للصعود إلى المسجد، بالتزامن مع “مسيرة الأعلام”، في محاولة واضحة لفرض “شراكة دينية” في الأقصى وإلغاء الحصرية الإسلامية للمسجد.

منظمة “جبل الهيكل في أيدينا”، التي تضم أبرز المتطرفين، أطلقت نداءً مباشرا لرفع العلم الإسرائيلي داخل المسجد، وهو ما حدث بالفعل خلال اقتحام اليوم، حين رفعت مستوطنة العلم في باحات المسجد، وسط تصفيق المستوطنين وحراسة قوات الاحتلال.

السلطة الفلسطينية.. قمع للمقاومة وتنسيق مع المحتل

رغم هذا التصعيد غير المسبوق، لم تتجاوز ردة فعل السلطة الفلسطينية البيانات الشكلية، وسط استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال الذي يوفر غطاءً غير مباشر لهذه الانتهاكات.

ففي الوقت الذي تُقتحم فيه الأقصى وتحاصر القدس، تقود أجهزة أمن السلطة حملة قمع ضد نشطاء المقاومة في الضفة، وتعتقل العشرات من الشبان الذين ينوون الرباط أو التصدي للمستوطنين. وقد وثّقت منظمات حقوقية اعتقال شبان من نابلس وجنين ورام الله، فقط لأنهم دعوا إلى “الرباط” أو شاركوا في مظاهرات ضد الاحتلال.

إن السلطة، التي تستمر في اعتمادها على “اتفاق أوسلو” ومشتقاته الأمنية، تبدو اليوم في موقع المتفرج أو الشريك الصامت، تاركة المجال للمستوطنين لفرض أمر واقع تهويدي في الأقصى، ومكتفية بالتحذيرات الخطابية التي لا تردع الاحتلال ولا تحمي الأرض والمقدسات.

وقد جاء بيان محافظة القدس الفلسطينية ليكرر “تحذيرات” من التصعيد، دون أن يتضمن أي إجراء عملي أو تحرك على الأرض، في وقت بات فيه الشارع المقدسي يواجه وحده جحافل المستوطنين والشرطة المدججة بالسلاح.

حتى بيان المجلس الوطني الفلسطيني، الذي وصف ما يحدث بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي”، لم يحمل أي دعوة لمواجهة حقيقية أو خطوات ملموسة، بل اكتفى بمطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات. 

وكأن تجربة عقود من الصمت الدولي لم تكن كافية لإقناع السلطة أن الدفاع عن القدس لا يكون عبر الأمم المتحدة بل عبر التصدي الشعبي والتنظيمي.

مقاومة معزولة.. وشعب يواجه وحده

في المقابل، دعت حركة حماس وأطراف من فصائل المقاومة إلى الحشد والرباط في الأقصى والضفة، رافضة الصمت العربي ومستنكرة ما وصفته بـ”حرب دينية شاملة تشنها إسرائيل ضد أولى القبلتين”. واعتبرت أن حكومة الاحتلال تستخدم الأقصى كأداة دعائية داخلية، بينما تغضّ السلطة الطرف عنها.

بيان حماس شدد على أن “العرب والمسلمين يتفرجون بينما يُغزى الأقصى يومياً”، وأن الصمت الرسمي العربي يعطي غطاء ضمنياً لتقسيم المسجد زمانيًا ومكانيًا. كما أشارت الحركة إلى أن مسيرة الأعلام ليست مجرد فعالية، بل تمثل رأس حربة في مخطط تهويد القدس.

أما في الشارع المقدسي، فقد شهدت الساعات الماضية مواجهات متفرقة في حي سلوان والعيسوية وباب العامود، أُصيب فيها عدد من الشبان برصاص الاحتلال، واعتُقل العشرات منهم، فيما تفرض قوات الاحتلال حظراً على التجوال في عدة مناطق وتغلق الشوارع المؤدية للبلدة القديمة.

هل ستبقى القدس وحدها؟

بينما ترقص “مسيرة الأعلام” على أنقاض السيادة الفلسطينية، وتُرفع رايات الاحتلال داخل المسجد الأقصى، تتواصل خيانة السلطة عبر التنسيق الأمني وقمع المقاومة، فيما تقف الأمة في حالة شلل سياسي تام.

تتساءل القدس اليوم: هل من مجيب؟ هل من زعيم عربي يُحرّك جيشاً أو حتى سفارة؟ أم أن الأقصى سيُقسّم تحت رايات الحاخامات، بينما السلطة ترعى اتفاقات “السلام الأمني” في الضفة؟

المعركة على القدس لم تعد رمزية، بل وجودية.. والانحياز إما للمقاومة أو للتفريط.

اقرا أيضًا : الاحتلال يستهدف المنظومة الطبية في غزة.. 10 مستشفيات وعيادات تتعرض لهجمات خلال أسبوع