في مشهد يعكس هشاشة الحماية الدولية لجهود المجتمع المدني، أعلنت هيئة أسطول الصمود العالمي لكسر حصار غزة عن تعرض سفينتها الرئيسية “فاميلي” الإسبانية، لهجوم بطائرة مسيّرة قبالة السواحل التونسية، مؤكدة أن الحادث ليس مجرد خلل تقني كما حاولت السلطات المحلية الترويج، بل هو اعتداء متعمد يحمل بصمات الاحتلال الإسرائيلي.

الرواية الرسمية ومحاولة التعتيم

فور إعلان الهيئة عن استهداف السفينة، خرجت الإدارة العامة للحرس الوطني التونسي لتنفي الرواية، زاعمة أن الحريق اندلع نتيجة عقب سيجارة أو قداحة داخل سترة نجاة. هذه الرواية التي بدت مرتجلة، فتحت الباب لتساؤلات واسعة: كيف يعقل أن يتزامن “حادث عرضي” مع رصد ناشطين لمسيّرة تحلق مباشرة فوق السفينة، وإلقاء قنبلة على مقدمتها؟ ولماذا سارعت السلطات إلى النفي بدل فتح تحقيق شفاف؟

هذا التناقض كشف عن محاولة تونسية للتغطية على استهداف واضح جرى في مياهها الإقليمية، ما يطرح علامات استفهام حول مدى تواطؤ السلطات مع أجندات إقليمية ودولية تخشى وصول الأسطول إلى غزة.

شهادات من قلب السفينة: قنبلة كادت تفجر الخزان

الناشطة الألمانية ياسمين آجار، العضو في اللجنة التوجيهية للأسطول، أكدت لـ”عربي21″ أن الطائرة المسيّرة حلقت فوق السفينة وأسقطت قنبلة في موقع حساس قرب خزان وقود. ولولا أن الخزان كان فارغًا لحدث انفجار كارثي، مضيفة: “المتفجرات التي ألقيت شديدة الاشتعال، ما يثبت أن الهدف كان التسبب في انفجار ضخم، وهذا اعتداء مباشر على مهمة إنسانية تحمل العلم البرتغالي”.

شهادات الطاقم والناشطين عززت فرضية أن ما جرى استهداف ممنهج لإحباط رحلة الأسطول، لا مجرد صدفة أو حادث عرضي كما تدّعي السلطات التونسية.

تضامن شعبي مقابل صمت رسمي

بمجرد انتشار خبر الاستهداف، توافد نشطاء ومواطنون تونسيون إلى الميناء رافعين الأعلام الفلسطينية ومرددين شعارات داعمة لغزة والمقاومة. هذا المشهد الشعبي الصادق، قابلته سلطات تونسية مرتبكة تمسكت بالنفي وامتنعت عن اتخاذ أي موقف حازم لحماية سيادة البلاد.

الرسالة بدت واضحة: الشعوب العربية حاضرة للدفاع عن القضية الفلسطينية، لكن الأنظمة الرسمية تصرّ على الانحناء للضغوط الدولية والإقليمية.

“لن نتراجع”.. رسالة الأسطول للعالم

رغم محاولة الاستهداف، أكدت هيئة الأسطول عبر تصريحات أعضائها أنها ستمضي قُدمًا نحو غزة كما هو مخطط الأربعاء القادم. الناشط التونسي نبيل الشنوفي قال: “السفينة بخير، الحريق محدود، ونحن ماضون مهما حصل، لن نتراجع وسنصل غزة”.

كما شددت الناشطة جواهر شنة على أن الاستهداف “لن يزيدنا إلا عزما وإصرارا”، محملة الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية هذا “الاعتداء الجبان”، ومؤكدة أن الهدف من الهجوم هو بث الرعب في نفوس المتطوعين وكسر إرادتهم.

أبعاد قانونية ودبلوماسية خطيرة

الاستهداف لا يعد مجرد حادث عرضي بل هو خرق للقانون الدولي، وفق تأكيدات الهيئة. فالسفينة تحمل علمًا برتغاليًا وتعرضت للهجوم في المياه الإقليمية التونسية، ما يعني أن الاعتداء مسّ السيادة التونسية والبرتغالية معًا.

لكن الأخطر من ذلك أن صمت السلطات التونسية واندفاعها لتبرئة الاحتلال من الاستهداف يضعها في موقع الاتهام المباشر بالتواطؤ. هذا الموقف قد يفتح الباب أمام مساءلة قانونية حول ما إذا كانت تونس تخلت عن التزاماتها في حماية المياه الإقليمية وضمان سلامة النشطاء الدوليين على أراضيها.

الاحتلال في مواجهة المجتمع المدني العالمي

الاعتداء الأخير يبرهن على أن الاحتلال الإسرائيلي يخشى قوة المجتمع المدني العالمي أكثر من أي وقت مضى. فأسطول الصمود ليس قوة عسكرية، بل مبادرة مدنية تحمل الغذاء والدواء والأمل لغزة المحاصرة. ومع ذلك، يلجأ الاحتلال إلى استخدام أدواته العسكرية، في محاولة يائسة لإرهاب المتطوعين وكبح موجة التضامن المتنامية مع فلسطين.

خاتمة: بين الشعوب والأنظمة

رسالة أسطول الصمود بعد الحادث واضحة: “لن نتراجع”. في المقابل، رسالة السلطات التونسية لا تقل وضوحًا: تواطؤ وصمت يفضح ارتهان القرار الرسمي للضغوط الخارجية.

وبينما يبحر الأسطول نحو غزة حاملاً آمال الملايين، يبقى المشهد العربي منقسما: شعوب تتحرك بإرادة صلبة وأنظمة تتوارى خلف أقنعة الحياد الكاذب. لكن ما لا شك فيه أن كل اعتداء يزيد الأسطول قوة، ويضاعف من عزيمة من آمنوا بأن كسر حصار غزة واجب إنساني قبل أن يكون مهمة سياسية.

اقرأ أيضًا : اعتصام أمام السفارة الأمريكية في تونس: صمود شعبي لإسناد غزة وأسطول الحرية