في مشهد يعكس التلاحم بين نضالات الشعوب العربية وصرخات غزة المحاصرة، انطلقت في العاصمة التونسية اعتصامات مفتوحة أمام مقر السفارة الأمريكية، نظمتها الشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع بدعم من جمعيات حقوقية ونشطاء مستقلين. 

الاعتصام، الذي اختير له اسم “اعتصام الصمود”، جاء متزامنًا مع وصول سفن من إسبانيا إلى ميناء سيدي بوسعيد، استعدادًا لانضمامها إلى أسطول الصمود العالمي الذي سيبحر نحو غزة لكسر الحصار المفروض عليها منذ أكثر من 18 عامًا.

الاعتصام لا يقتصر على رسالة احتجاجية ضد جرائم الاحتلال، بل يتجاوز ذلك إلى بعد سياسي ورمزي أوسع، يعكس رفض التونسيين للتدخل الأمريكي في شؤونهم الداخلية، وفضح الدور المركزي لواشنطن في دعم العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني.

أبعاد الاعتصام: بين دعم غزة وفضح الشريك الأمريكي

المتحدث باسم الشبكة، صلاح المصري، أكد في تصريحات صحفية أن الاعتصام يمتد أسبوعًا قابلاً للتجديد، وأن أهدافه الرئيسية تتمثل في إسناد أسطول الصمود ومتابعة مساره في البحر، والتأهب لأي عدوان قد يتعرض له من الاحتلال الإسرائيلي. وأضاف: “رفاقنا يواجهون العدو الصهيوني بحرا، ونحن هنا نواجه شريكه برا، فالمعركة واحدة”.

الاعتصام إذن ليس مجرد وقفة رمزية، بل حلقة من حلقات الضغط الشعبي المتراكم، الموجه ضد الولايات المتحدة باعتبارها الممول والداعم الأول للحرب الإسرائيلية، حيث تُتهم إدارة بايدن بالضلوع المباشر في المجازر الجارية في غزة عبر التمويل العسكري والسياسي والحماية الدبلوماسية للاحتلال. ومن هنا، يرى المنظمون أن السفارة الأمريكية في تونس تمثل العنوان الأبرز للاحتجاج.

أسطول الصمود: إرادة عالمية تتقاطع مع غضب تونسي

انطلاق أسطول الصمود الذي يضم 52 سفينة من 44 دولة، بمشاركة مئات النشطاء والأكاديميين والحقوقيين، شكّل حافزًا إضافيًا للتحرك الشعبي في تونس. فالمبادرة البحرية، القادمة من موانئ إسبانيا والمغرب وليبيا، تلتقي مع روح التحدي التونسي الذي جعل من الشارع أداة مقاومة للتطبيع وللسياسات الاستعمارية الجديدة.

الربط بين “اعتصام الصمود” و”أسطول الصمود” يكشف عن وحدة المعركة: النشطاء في عرض البحر يواجهون احتمالية القرصنة والاعتداء الإسرائيلي، بينما الجماهير في تونس تفضح شركاء الاحتلال على البر. الرسالة هنا مزدوجة: دعم مباشر لغزة، ورسالة تحذير إلى واشنطن من أن الشعوب العربية لم تعد صامتة تجاه تواطؤها.

البعد السياسي: رفض التدخل الأمريكي في تونس

جانب آخر للاعتصام تجلى في الاعتراض على مشروع قانون أمريكي بعنوان “استعادة الديمقراطية في تونس”، الذي تقدم به عضوان في الكونغرس (الجمهوري جو ويلسون والديمقراطي جيسون كرو). المشروع يتضمن فرض عقوبات على مسؤولين تونسيين، وهو ما اعتبرته الشبكة ومنظمات مدنية محاولة جديدة لـ”عقاب تونس” على مواقفها الشعبية المناهضة للتطبيع.

صلاح المصري شدد على أن واشنطن تستخدم شعار الديمقراطية كسلاح سياسي، في الوقت الذي تغطي فيه على الإبادة الجماعية في غزة. وأضاف: “مشاكل تونس تُحل بين التونسيين أنفسهم، ولا شرعية لأي تدخل أمريكي، خاصة من دولة تدير أكبر مشروع استعمار جديد في المنطقة، هدفه فرض التطبيع ونهب الثروات”.

الشعوب تصمد.. والحكام يساومون

من أبرز ما عكسه الاعتصام هو التناقض الحاد بين موقف الشعوب وموقف الأنظمة العربية. ففي الوقت الذي تتقاعس فيه الحكومات عن دعم غزة أو تسمح بمرور الأساطيل من موانئها، يخرج الشارع التونسي برسالة واضحة: الشعوب مع المقاومة، بينما الحكام يخونونها.

هذه الفجوة لم تعد خافية، بل أصبحت جزءًا من خطاب النشطاء الذين يرون أن “أسطول الصمود” هو نتاج مباشر لإرادة الشعوب، في مقابل أنظمة عربية هرولت إلى اتفاقات التطبيع وأغلقت المعابر في وجه المساعدات، كما حدث مع الموقف المصري تجاه معبر رفح.

أبعاد رمزية ودروس مستفادة

الاعتصام أمام السفارة الأمريكية في تونس، رغم محدوديته الميدانية، يحمل رسائل رمزية عميقة:

  1. تحميل المسؤولية: واشنطن ليست وسيطًا، بل شريكًا رئيسيًا في الإبادة بغزة.

  2. تجديد أدوات المقاومة: من البحر إلى الشارع، كل أشكال النضال الشعبي والسياسي متكاملة.

  3. وحدة القضية: معركة فلسطين لا تنفصل عن معركة تونس ضد التدخل الأجنبي، فكلاهما يستهدف كسر إرادة الشعوب.

كما أن هذا الاعتصام يعيد التذكير بأن تونس كانت دائمًا رئةً للقضية الفلسطينية، منذ استضافة قيادة منظمة التحرير بعد الخروج من بيروت، وحتى اليوم حيث أصبحت منصة لتنسيق الحراك الشعبي العالمي الداعم لغزة.

خاتمة: بين صمود تونس وصمود غزة

يمكن القول إن اعتصام “الصمود” أمام السفارة الأمريكية في تونس يتجاوز حدود التضامن التقليدي ليشكل جزءًا من معركة الوعي العالمي ضد الاحتلال وحماته. هو فعل احتجاجي يربط بين حصار غزة والهيمنة الأمريكية، ويؤكد أن الشعوب ما تزال قادرة على ابتكار أدوات مقاومة، حتى وسط أزمات اقتصادية وسياسية داخلية.

وفي الوقت الذي يستعد فيه أسطول الصمود لمواجهة بحرية مع “إسرائيل”، يوجه الشارع التونسي رسالته إلى العالم: إذا كان الحكام خانوا، فإن الشعوب لم ولن تخون.

اقرأ أيضًا : قمع السيسي يفاقم تدهور الأوضاع في سجن بدر 3 ومحاولات انتحار جماعية