تحوّلت شوارع غزة المنكوبة إلى مسرح لمجزرة جديدة نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، استهدفت هذه المرة طواقم الإسعاف والصحافة، وسط حملة دموية متواصلة تهدف إلى سحق ما تبقى من الحياة في القطاع.

وبينما كان المسلمون يحتفلون بالعيد في أنحاء العالم، كانت غزة تقيم صلاة الجنازة على شهدائها، ومن بينهم ثلاثة مسعفين وصحفي كانوا يؤدون واجبهم الإنساني في إنقاذ الأرواح ونقل الحقيقة.

بحسب ما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، فإن طائرات الاحتلال أغارت مساء الإثنين على مناطق عدة في قطاع غزة، وتركزت الغارات على حي التفاح شرق مدينة غزة، حيث استُهدفت بشكل مباشر طواقم الإسعاف أثناء محاولتها إنقاذ مصابين في منطقة المحطة. 

ونتج عن هذا الاستهداف استشهاد المسعفين الثلاثة، إلى جانب الصحفي الفلسطيني مؤمن أبو العوف الذي كان يرافقهم. هذا الهجوم، الذي لم يكن الأول من نوعه، يأتي ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة لإسكات شهود المجازر ومحو الأدلة.

إجرام غير مسبوق

وفي سياق متصل، شنت الطائرات الحربية غارات على خيام النازحين في ساحة الكتيبة وسط مدينة غزة، مما أدى إلى استشهاد وجرح العشرات، في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى ارتفاع عدد الشهداء في القطاع منذ صباح الإثنين إلى ما لا يقل عن 65 شهيداً، بينهم نساء وأطفال وباحثون عن الغذاء. وهذا العدد مرشح للارتفاع في ظل تواصل القصف وتردي الأوضاع الصحية بشكل كارثي.

الهجمات الإسرائيلية لم تقتصر على شمال القطاع، بل امتدت لتشمل مناطق في وسطه وجنوبه. ففي خان يونس، تحديداً داخل مخيم “الحياة” للنازحين، استهدفت طائرة مسيرة خيمة كانت تؤوي عشرات المدنيين، ما أسفر عن استشهاد ثمانية فلسطينيين، بينهم أربع نساء، وإصابة عدد آخر. شهود عيان أكدوا أن المخيم يضم آلاف النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم المدمرة أو المهددة، في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان غزة منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023.

ما جرى في غزة هذا الأسبوع ليس مجرد هجوم عسكري، بل فصل آخر من فصول الإبادة الجماعية المستمرة بحق شعب أعزل. يستهدف الاحتلال ليس فقط المقاومين أو المقاتلين، بل المرضى، والنازحين، والجوعى، والمسعفين، والصحفيين، في محاولة لمحو الذاكرة وتغييب الشهود، مستغلاً في ذلك حالة العجز الدولي والتواطؤ العربي.

خيانة الحكام العرب

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة القتل والدمار، يكتفي المجتمع الدولي بالتعبير عن “القلق” و”الدعوة إلى التهدئة”، دون أي خطوات عملية لوقف العدوان أو محاسبة المسؤولين عنه. 

أما الدول العربية، خصوصاً تلك التي هرولت إلى التطبيع، فقد ارتضت لنفسها دور المتفرج، بل إن بعضها تجاوز الصمت إلى دعم الاحتلال سياسياً وأمنياً، كما في حالة الإمارات، التي تدير شركات أمنية متورطة في إدارة مراكز “مساعدات” تحولت إلى مصائد موت.

في بيان لها مساء الإثنين، دعت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى التحرك العاجل لوقف المجازر ورفع الحصار عن غزة، مؤكدة أن الاحتلال يواصل استهداف الأحياء السكنية والمراكز الطبية ومواقع توزيع المساعدات، في سياق سياسة واضحة تهدف إلى التجويع والإبادة. 

وأشارت الحركة إلى استشهاد عشرة مواطنين صباح الإثنين بعد استهدافهم خلال محاولتهم الحصول على الطعام من مركز مساعدات في رفح، في تكرار لمشهد متوحش يتكرر تحت غطاء إنساني كاذب.

اللافت في هذا السياق أن ما يُسمى بـ”مراكز المساعدات الأمريكية-الإسرائيلية” أصبحت أدوات في يد الاحتلال لاستدراج المدنيين إلى مناطق عسكرية معزولة، ثم استهدافهم بالرصاص.

 هذه الممارسات، التي ترقى إلى جرائم حرب، تجري وسط صمت عربي ودولي مريب، وتدلل على أن إسرائيل لم تعد تخشى أي مساءلة قانونية أو سياسية، في ظل الحصانة التي توفرها لها بعض العواصم الغربية، والتواطؤ العلني من بعض الحكومات العربية.

في النهاية، فإن استشهاد المسعفين والصحفيين في غزة يطرح سؤالاً صارخاً حول جدوى المواثيق الدولية والاتفاقات الإنسانية، إذا لم تكن قادرة على حماية من يحمل حقيبة الإسعاف أو الكاميرا.

 كما يعيد إلى الواجهة حقيقة أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد قضية تحرر، بل معركة وجود ضد محاولات الإبادة، وسط خذلان عربي لا يمكن وصفه إلا بالخيانة التاريخية.

اقرأ أيضًا : عيد الموت في غزة: الاحتلال يحوّل الخيام والمنازل إلى مقابر جماعية