شهدت مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة مساء السبت حدثاً أمنياً بالغ الخطورة، أعاد إلى الواجهة تعقيد المشهد العسكري الميداني وفشل الاحتلال الإسرائيلي في كبح جماح المقاومة الفلسطينية.

ووفق ما أفادت به وسائل إعلام إسرائيلية، فقد اندلعت اشتباكات مباشرة بين خلايا من المقاومة وجنود الاحتلال بعد خروج مقاتلين فلسطينيين من شبكة الأنفاق ومباغتتهم للقوات المتوغلة. الحدث لم يكن عادياً، بل نُقل عدد من الجنود المصابين جواً عبر مروحيات إلى مستشفيات إسرائيلية، مما يشير إلى حجم الخسائر التي تكبّدها جيش الاحتلال في هذه العملية.

المقاومة – كما أكدت أذرعها العسكرية – لم تكتف بالاشتباك المباشر، بل قامت أيضاً بتفجير منازل مفخخة كانت قد أُعدت مسبقاً لهذا النوع من الهجمات، في تكتيك يهدف لإرباك القوات الإسرائيلية واستنزافها في بيئة حضرية معقدة ومتغيرة. هذه التكتيكات تثبت أن حرب غزة تحولت إلى مواجهة استنزاف طويلة الأمد، لا تملك إسرائيل فيها اليد العليا رغم تفوقها التكنولوجي والجوي.

خسائر في صفوف الاحتلال وتطور في عمليات المقاومة

صحيفة “يديعوت أحرونوت” أكدت إصابة خمسة جنود في ثلاثة مواقع منفصلة داخل قطاع غزة، ما يعكس اتساع رقعة العمليات الميدانية وتعقيدها. وقد أعلنت “سرايا القدس”، الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، أنها فجّرت آلية عسكرية إسرائيلية شمال شرق خان يونس، باستخدام عبوة كانت قد زُرعت قبل أربعة أيام، ما يدل على التخطيط المسبق والدقة في التنفيذ.

من جهتها، تبنّت “كتائب القسام”، الجناح العسكري لحركة حماس، سلسلة من العمليات النوعية أبرزها تفجير دبابة ميركافا في حي الزيتون، وتفجير آليتين من نوع “D9” في عملية منفصلة بالحي ذاته، بالإضافة إلى استهداف آلية إسرائيلية في منطقة المسلخ جنوب غرب خان يونس. وسبق أن بثّت الكتائب مشاهد توثق محاولة أسر الجندي الإسرائيلي أزولاي، إلى جانب مشاهد فرار جندي إسرائيلي من أرض المعركة، في دليل حيّ على الانهيار المعنوي لبعض وحدات الجيش الإسرائيلي.

وفي سياق متصل، كشفت سرايا القدس عن تفجير آلية إسرائيلية بعبوة شديدة الانفجار في منطقة الشيخ ناصر شرق خان يونس، إلى جانب قصف تجمعات للجيش بقذائف الهاون في جبل الصوراني شرق حي التفاح، وهو ما يُظهر اتساع نطاق العمليات من الشمال إلى الجنوب.

تحول في طبيعة المواجهة: من حرب جيوش إلى حرب عصابات

تصاعد هذه الهجمات المتزامنة أشار إليه تقرير نشرته شبكة “سي إن إن” الأميركية، حيث اعتبرت أن تكتيكات حماس تشهد تحولاً حقيقياً نحو “حرب العصابات”. الهجوم الذي نُفذ قبل أيام في بيت حانون، بحسب الشبكة، يعكس قدرة المقاومة على التكيف مع الاستنزاف المتواصل وتطوير وسائلها الدفاعية والهجومية. فمعظم عمليات الاستهداف الأخيرة اعتمدت على الكمائن والعبوات الناسفة المعدة مسبقاً، ما يدل على فعالية الحرب غير المتكافئة التي تتبعها فصائل المقاومة.

وفي تصريحات ذات دلالة، قال الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يسرائيل زيف، إن حركة حماس قامت بتحليل نمط تحرك الجيش الإسرائيلي، وحددت نقاط ضعفه، وتمكنت من توجيه ضربات دقيقة مؤلمة. وهو اعتراف ضمني بفشل الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في تحييد البنية القتالية للمقاومة رغم أشهر من العمليات البرية والجوية المكثفة.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، فقد أطلق تصريحات أكثر إحراجاً للحكومة الإسرائيلية، حين أكد أن الشرطة والجيش يغضّون الطرف عن “جرائم الحرب” ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، مضيفاً أن هناك تقصيراً واضحاً في مسؤوليات الجيش وتخبطاً في أدائه الميداني.

رسائل من تحت الأنقاض: المقاومة تنبض رغم الركام

المشهد الميداني في خان يونس يعكس أكثر من مجرد اشتباك عابر. هو رسالة صلبة مفادها أن المقاومة، رغم الدمار والحصار والقصف المستمر، لا تزال تحتفظ بمبادرة الفعل. القصف الإسرائيلي على خان يونس لم يوقف تدفق المقاتلين من الأنفاق، ولم ينجح في تدمير القدرة التخطيطية للكتائب، بل على العكس تماماً، ساهم القصف في تعقيد تضاريس المعركة وتوفير غطاء طبيعي لحرب العصابات.

وفي هذا السياق، وثّقت مشاهد جوية تحليقاً مكثفاً لطائرات الاحتلال على ارتفاع منخفض في جنوب القطاع، تزامناً مع قصف مدفعي لمحاور الاشتباك. إلا أن هذه التحركات لم تمنع المقاومة من تنفيذ عملياتها، بل دفعتها إلى المزيد من التصعيد، وهو ما ظهر في التوسع الجغرافي للعمليات من حي الزيتون شرقاً إلى بيت لاهيا شمالاً وخان يونس جنوباً.

الخلاصة: معركة طويلة الأمد ومعادلة متغيرة

معركة خان يونس اليوم ليست مجرد حدث أمني عابر، بل تمثل مرحلة جديدة في الصراع، حيث باتت المواجهات تأخذ طابع الاشتباك القريب وجهاً لوجه، وتُظهر هشاشة التقديرات الإسرائيلية التي تحدثت عن “تفكيك بنية حماس”. فصائل المقاومة لم تفقد قدرتها على الهجوم والمباغتة رغم كل ما تعرضت له.

المقاومة تتقدم بخطى ثابتة في ميدان معقد، مستفيدة من طبيعة الأرض والتخطيط المسبق، بينما يتخبط الجيش الإسرائيلي في محاولة احتواء الفشل العسكري والمعنوي. المشهد قابل للتصعيد في أي لحظة، لكن الثابت هو أن غزة، بركامها وأنفاقها، لا تزال عصية على الكسر.

اقرأ أيضًا : الضفة في قبضة النار: اعتقالات عشوائية وهجمات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال