بقلم ـ أحمد محمد أحمد

في مشهد يعكس المدى المأساوي الذي بلغته سياسات القمع في مصر، كشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن تدهور خطير في الأوضاع الإنسانية داخل سجن بدر 3، حيث تصاعدت محاولات الانتحار والإضراب عن الطعام بين المعتقلين السياسيين، بما يعكس حالة يأس غير مسبوقة نتيجة ظروف احتجاز وصفت بأنها “قاسية وممنهجة”. 

التقرير الصادر مؤخرًا يعيد تسليط الضوء على ملف السجون المصرية الذي لطالما كان نقطة سوداء في سجل نظام عبد الفتاح السيسي الحقوقي، ويؤكد أن السجون تحولت إلى مساحات للموت البطيء، أكثر منها أماكن للتأهيل أو حتى العقاب.

انتحارات وإضرابات: يأس خلف القضبان

بحسب التقرير، شهد القطاع (2) من السجن خلال النصف الأول من أغسطس/آب الماضي سلسلة محاولات انتحار متتالية، بدأها الجراح سيد هيكل، لتلحقه محاولات مشابهة من أمين الصيرفي وخالد سعيد مرسي (ابن شقيق الرئيس الراحل محمد مرسي) وعبد الله شحاتة.

الأخطر أن بعض هذه المحاولات لم تكن فردية بل تحولت إلى نمط متكرر، إذ أقدم خليل العقيد على قطع شرايين يده ليتطلب الأمر 36 غرزة جراحية، ومع ذلك جرى الزج به في زنزانة انفرادية بدلًا من تقديم الرعاية الطبية له.

كما أقدم السياسي أسعد الشيخة على ابتلاع كمية كبيرة من الأدوية عقب مشادة مع ضباط الأمن الوطني، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية بشكل بالغ. هذه الوقائع لم تعد مجرد حوادث فردية، بل مؤشر على انهيار الروح المعنوية لدى المعتقلين، الذين يجدون في الانتحار أو الإضراب الوسيلة الأخيرة للتعبير عن رفضهم للظلم.

ظروف احتجاز قاسية وإجراءات قمعية

لم يقتصر الأمر على الانتحارات، بل وثّق التقرير إجراءات قمعية متزايدة، أبرزها مصادرة المقتنيات الشخصية للسجناء في 11 أغسطس/آب الماضي، وتهديد بعضهم بـ”التغريب” إلى سجن الوادي الجديد، المعروف بكونه واحدًا من أكثر السجون عزلة وقسوة.

كما أكد التقرير وجود تعليمات مباشرة من رئاسة الجمهورية بعدم نقل أي حالة حرجة إلى المستشفى “تفاديًا لتسريب الأخبار”، بحسب شهادة ضابط في الأمن الوطني، وهو ما يكشف عن الطبيعة الممنهجة لهذه الانتهاكات، التي لم تعد نتيجة لتصرفات فردية من الضباط بل جزءًا من سياسة عليا.

منذ 12 أغسطس/آب الماضي، يعيش السجناء في عزلة تامة بعد تغيير طاقم الضباط والحراس بالكامل، بينما يواصل 21 معتقلًا سياسيًا إضرابهم عن الطعام، وسط حرمان متعمّد من الرعاية الطبية، ما يضع حياة كثيرين منهم على المحك.

من بين الحالات الحرجة التي رصدها التقرير: محمد البلتاجي الذي نُقل إلى المستشفى بعد سقوطه مغشيًا عليه، وأحمد عارف الذي يواصل إضرابه عن الطعام مشترطًا زيارة لجنة حقوقية مستقلة، إلى جانب تدهور أوضاع باسم عودة، خالد الأزهري، محمد سعد عليوة، أسامة ياسين، أسعد الشيخة، وأمين الصيرفي.

السيسي وسياسة “الموت البطيء”

منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، تحولت السجون المصرية إلى أداة قمع مركزي تستهدف خصوم النظام من إسلاميين، معارضين سياسيين، ونشطاء مدنيين. لكن ما يجري في بدر 3 يبدو أكثر خطورة، إذ يعكس تخطيطًا ممنهجًا لإيصال السجناء إلى حافة الانهيار النفسي والجسدي، عبر مزيج من الحرمان والعزلة والتجويع والإهمال الطبي.

هذه السياسات ليست مجرد تجاوزات، بل ترتبط باستراتيجية متعمدة لإرهاب المجتمع وردع أي محاولة معارضة، بإرسال رسالة مفادها أن مصير كل من يواجه النظام سيكون أشبه بمصير من في بدر 3.

لكن نتائج هذه السياسات تبدو عكسية، إذ إن محاولات الانتحار الجماعية، وتصاعد التغطية الحقوقية والإعلامية، تكشف للعالم الوجه الأكثر قسوة لنظام السيسي، الذي لا يتورع عن تحويل السجون إلى مقابر.

دعوات للتحرك الدولي

في ختام تقريره، دعا مركز الشهاب لحقوق الإنسان إلى فتح تحقيق دولي مستقل حول أوضاع سجن بدر 3، والسماح للجان حقوقية محايدة بزيارته، محذرًا من أن استمرار هذه الانتهاكات يمثل “تهديدًا مباشرًا لحياة المحتجزين وانتهاكًا صارخًا لأبسط حقوقهم الإنسانية”.

هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن طالبت منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بالتحقيق في انتهاكات السجون المصرية، لكن غياب الضغط الدولي الفعّال حتى الآن منح النظام مساحة أكبر للمضي في نهجه القمعي.

خلاصة: قمع بلا نهاية أم بداية انفجار؟

تدهور الأوضاع في بدر 3 يعكس أزمة أعمق في نظام السجون المصري، الذي تحوّل إلى أداة سياسية لإخضاع المجتمع، أكثر منه مؤسسة لإصلاح السلوك.

ومع تصاعد محاولات الانتحار الجماعية، وحرمان المعتقلين من أبسط حقوقهم، يطرح السؤال نفسه: إلى أي مدى يمكن لنظام السيسي الاستمرار في سياسة “الموت البطيء” خلف القضبان دون أن يواجه انفجارًا اجتماعيًا أو تدخلًا دوليًا؟

ربما يحمل بدر 3 الإجابة، فهو اليوم ليس مجرد سجن، بل مرآة تعكس وجه نظام غارق في القمع، ومجتمع يترقب لحظة الحساب.

اقرأ أيضًا : أونروا تكشف الحقيقة المروعة.. غزة تموت جوعًا ومرضًا