أثار اعتقال الروائي والأكاديمي الأردني أيمن العتوم موجة واسعة من الغضب والاستنكار في الأوساط الثقافية والحقوقية داخل الأردن وخارجه، بعد أن أعلنت منصات وناشطون أن أجهزة الأمن أوقفته في ساعة متأخرة من مساء الجمعة، أثناء عودته إلى منزله في العاصمة عمّان قادمًا من مدينة إربد، دون إعلان رسمي واضح عن أسباب التوقيف، قبل أن يتبين لاحقًا أنه موقوف بموجب ما يُعرف بـ«قانون الجرائم الإلكترونية».

تفاصيل الاعتقال… مشهد صادم في الشارع العام
بحسب ما جرى تداوله على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن العتوم كان يقود سيارته وبرفقته زوجته ووالدته، عندما أوقفت قوات الأمن المركبة وقامت باعتقاله، تاركة زوجته ووالدته في الشارع العام في ساعة متأخرة من الليل. هذا المشهد، بما يحمله من دلالات إنسانية قاسية، لم يكن تفصيلًا عابرًا في التفاعل الشعبي، بل تحوّل إلى رمز لطريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع شخصيات عامة، دون مراعاة للبعد الإنساني أو الاجتماعي.
ورغم مرور ساعات على الحادثة، لم تصدر توضيحات رسمية كافية بشأن ملابسات التوقيف، الأمر الذي عزز حالة القلق، وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة التهم، وحدود استخدام قانون الجرائم الإلكترونية، خاصة حين يُطبّق على كتّاب ومفكرين.
قانون الجرائم الإلكترونية… أداة ضبط أم أداة قمع؟
يُعد «قانون الجرائم الإلكترونية» في الأردن واحدًا من أكثر القوانين إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، إذ ترى منظمات حقوقية وصحفية أنه تحوّل من أداة لمكافحة الابتزاز والاحتيال الرقمي، إلى مظلة قانونية فضفاضة تُستخدم لتجريم الرأي، وتقييد حرية التعبير، وملاحقة الناشطين والكتّاب بسبب منشورات أو مواقف سياسية وفكرية.
وفي حالة العتوم، لا تبدو المسألة مرتبطة بجريمة تقنية بالمعنى المباشر، بقدر ما تعكس حساسية السلطات تجاه الخطاب الثقافي والفكري الذي يلامس قضايا الهوية، والدين، والسياسة، والعدالة. وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا: هل بات التعبير الأدبي نفسه خاضعًا للرقابة الجنائية تحت لافتة «الأمن الرقمي»؟
أيمن العتوم… الكاتب الذي لا يفصل الأدب عن القيم
يُعد أيمن العتوم من أبرز رموز الحركة الأدبية في الأردن والعالم العربي، واشتهر بروايات تركت أثرًا عميقًا لدى القراء، من بينها «يا صاحبي السجن» و*«حديث الجنود»* و*«يسمعون حسيسها»*، وهي أعمال اتسمت بنقد السلطة، واستحضار تجربة السجن، والاشتباك مع الأسئلة الوجودية والأخلاقية.
العتوم أكاديمي مرموق، من مواليد بلدة سوف في محافظة جرش، ويحمل شهادتي البكالوريوس في الهندسة واللغة العربية، إلى جانب الماجستير والدكتوراه في اللغة العربية. وهو شخصية معروفة في مدينة إربد، ويتمتع بحضور ثقافي وشعبي واسع، ما جعل اعتقاله يُقرأ باعتباره رسالة تتجاوز شخصه إلى مجمل الحقل الثقافي.
سياق أوسع: العائلة تحت الضغط
لا يمكن فصل اعتقال العتوم عن السياق الأوسع المحيط به، إذ جاء بعد أيام قليلة فقط من الإفراج عن نجله، الذي كان قد اعتُقل مع مجموعة من الطلبة على خلفية رفضهم الاحتفال بعيد الميلاد (الكريسماس). هذا التتابع الزمني عزز الانطباع بوجود نمط من الضغط الأمني، لا يستهدف الفرد فحسب، بل يمتد إلى محيطه العائلي والاجتماعي.
ويرى متابعون أن هذا الأسلوب يعكس مقاربة أمنية متشددة تجاه أي تعبير يُعد «خارج السائد»، سواء أكان سياسيًا، دينيًا، أم ثقافيًا، في وقت يواجه فيه الأردن تحديات اقتصادية واجتماعية متصاعدة، تدفع السلطات إلى تشديد قبضتها على المجال العام.
تداعيات ثقافية وحقوقية
أعاد اعتقال العتوم طرح مخاوف حقيقية بشأن مستقبل حرية التعبير في الأردن، خصوصًا في الوسط الثقافي. فحين يُعتقل روائي معروف بسبب قانون إلكتروني، فإن الرسالة التي تصل إلى الكتّاب والصحفيين واضحة: سقف المسموح يضيق، والاختلاف قد يكلّف صاحبه حريته.
وفي ظل غياب الشفافية الرسمية، تتزايد الدعوات للإفراج الفوري عن العتوم، وضمان محاكمة عادلة، ومراجعة شاملة لقانون الجرائم الإلكترونية، بما ينسجم مع الدستور الأردني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
خلاصة المشهد
لا يبدو اعتقال أيمن العتوم حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة تضييق أوسع على المجال العام في الأردن. وبينما ترى السلطات أنها تحمي «الأمن والاستقرار»، يرى قطاع واسع من المجتمع أن ما يجري هو تجريم للكلمة، ومحاولة لإسكات الأصوات التي ترفض الاصطفاف الصامت. وفي هذه المعادلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحمل الدولة كلفة مصادمة الأدب والفكر، أم أن ثمن ذلك سيكون أعمق وأبقى؟
اقرأ أيضا : تجدد الاشتباكات في حلب بعد فشل تثبيت الهدنة