في خطوة تعكس سياسة إسرائيلية متصاعدة في الجنوب السوري، أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس صباح الثلاثاء أن قوات الاحتلال ستواصل تمركزها في جبل الشيخ والمنطقة العازلة داخل سوريا إلى أجل غير مسمّى، تحت مزاعم “الدفاع عن سكان الجولان والجليل” و”حماية أبناء الطائفة الدرزية”.
هذا الإعلان الذي جاء في وقت حساس من الصراع السوري ـ الإسرائيلي يعكس توجها واضحا نحو ترسيخ الاحتلال وتكريس واقع جديد بالقوة، وهو ما يهدد بإشعال فتيل مواجهة إقليمية أوسع.

احتلال مستمر تحت غطاء “الحماية”
يحاول كاتس أن يبرر استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوب سوريا من خلال خطاب “الحماية”، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الهدف أبعد من ذلك بكثير. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، كثّف جيش الاحتلال تحركاته العسكرية داخل سوريا، فارضا منطقة أمنية ممتدة بعمق 15 كيلومترا تشمل قرى وبلدات يسكنها أكثر من 40 ألف سوري باتوا تحت السيطرة المباشرة.
وتشمل هذه السيطرة حواجز تفتيش، دوريات مسلّحة، وعمليات دهم واعتقال لمواطنين سوريين، وهو ما يُظهر أن إسرائيل تسعى إلى فرض منطقة عازلة دائمة تشبه في شكلها وتكتيكها “جيش لبنان الجنوبي” في الثمانينيات، حين أنشأت إسرائيل حزاما أمنيا في جنوب لبنان تحت غطاء حماية الموارنة هناك. واليوم، تكرر تل أبيب المشهد ذاته عبر الطائفة الدرزية في سوريا، لتوظيفها كورقة ضغط وذريعة للتدخل المستمر.
رد دمشق وتحذيرات من التصعيد
وزارة الخارجية السورية سارعت إلى إصدار بيان رسمي وصفت فيه الخطوة الإسرائيلية بأنها “تصعيد خطير” و”انتهاك صارخ للسيادة السورية”، مشيرة إلى أن نحو 60 جنديا إسرائيليا تقدموا إلى موقع استراتيجي قرب قمة جبل الشيخ، واعتقلوا ستة سوريين من سكان المنطقة. دمشق اعتبرت هذه الخطوة رسالة واضحة بأن إسرائيل تسعى إلى تقويض أي جهود تهدئة تجري حاليا بوساطة أمريكية.
ورغم أن جيش الاحتلال حاول التخفيف من وقع الحادث بالقول إن نشاطه “روتيني”، وإنه لم يعتقل سوى شخص واحد بشكل مؤقت، فإن الوقائع على الأرض ـ وفق تقارير محلية ـ تؤكد أن العمليات الإسرائيلية تجاوزت حدود المناورة الدفاعية إلى محاولة رسم حدود جديدة. هذا ما يعزز خشية السوريين من أن إسرائيل تستغل الفراغ السياسي والعسكري بعد سقوط الأسد لإعادة صياغة خريطة الجنوب بما يخدم مصالحها الأمنية والجيوسياسية.
أهداف إسرائيل: أبعد من جبل الشيخ
لا يمكن فصل تصريحات كاتس عن المشروع الأوسع لإسرائيل في سوريا. فمنذ عام 1967، تحتل تل أبيب معظم هضبة الجولان، لكن الجديد اليوم هو السعي لفرض أمر واقع يتجاوز ما نصت عليه اتفاقية فصل القوات الموقعة عام 1974، والتي اعتبرتها إسرائيل “منهارة بالكامل” العام الماضي. عملياً، تتحرك تل أبيب لإيجاد منطقة حزام أمني يضمن لها:
- إبعاد أي قوات سورية أو فصائل مقاومة عن حدودها.
- السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية في جبل الشيخ التي تمثل نقطة مراقبة حساسة.
- استخدام ملف الدروز كورقة ابتزاز سياسي أمام المجتمع الدولي، لتبرير تدخلها العسكري تحت شعار “حماية الأقليات”.
هذا التوجه لا يختلف عن السياسات التي انتهجتها إسرائيل في الضفة الغربية وغزة، حيث يُستخدم خطاب “الأمن” لتبرير توسع استيطاني أو عسكري.
انعكاسات على الاستقرار الإقليمي
استمرار الاحتلال الإسرائيلي في جبل الشيخ والمنطقة العازلة لا يهدد فقط السيادة السورية، بل يفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات الإقليمية:
- تعطيل أي مسار تهدئة: فالخطوة الإسرائيلية جاءت بالتزامن مع جهود وساطة أمريكية، وهو ما قد يُفشل أي مساعٍ لإرساء هدنة طويلة الأمد في الجنوب السوري.
- تأجيج الصراع الطائفي: عبر استغلال ورقة الدروز، تُسهم إسرائيل في زرع انقسامات جديدة داخل النسيج السوري، ما يزيد من احتمالية نشوب صراعات داخلية.
- إضعاف النظام السوري الجديد: الذي يحاول إثبات نفسه بعد سقوط الأسد، إذ تبدو دمشق عاجزة عن مواجهة التمدد الإسرائيلي المباشر، وهو ما يقوض شرعيتها أمام مواطنيها.
-
تهديد لبنان: باعتبار أن جبل الشيخ يطل على الحدود اللبنانية، فإن أي تحركات إسرائيلية هناك قد تُستغل في مواجهات مع حزب الله، ما يفتح جبهة جديدة للقتال.
تكرار سيناريو لبنان: نحو “منطقة عازلة” دائمة
ما يجري في الجنوب السوري يعيد إلى الأذهان تجربة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. آنذاك، رفعت إسرائيل شعار “الأمن” لحماية حدودها الشمالية، لكنها انتهت بإنشاء كيان عميل هو “جيش لبنان الجنوبي”، ولم يخرج الاحتلال إلا تحت ضربات المقاومة اللبنانية عام 2000.
اليوم، يبدو أن إسرائيل تحاول نسخ التجربة نفسها في سوريا، عبر تشكيل واقع عسكري وأمني جديد في جبل الشيخ والمنطقة العازلة. وإذا استمر هذا المسار، فقد نشهد على المدى القريب مواجهة مباشرة بين فصائل سورية أو لبنانية وبين قوات الاحتلال، خصوصا مع تنامي الرفض الشعبي لوجودها في قرى الجنوب.
خاتمة: احتلال يتجدد وزعزعة مقصودة
تصريحات كاتس لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على توسيع رقعة الاحتلال مستغلة ضعف سوريا وانشغال المجتمع الدولي. فالاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بالسيطرة على الجولان منذ 1967، بل يسعى اليوم إلى فرض واقع جديد عبر جبل الشيخ والمنطقة العازلة.
في الجوهر، ما يجري هو تأجيج متعمد للأوضاع في سوريا، وزعزعة لاستقرارها من خلال فرض معادلات أمنية جديدة تخدم تل أبيب وحدها. وبينما يحاول السوريون لملمة جراحهم بعد سقوط النظام السابق، يجدون أنفسهم أمام احتلال جديد يهدد سيادتهم وأمنهم ومستقبلهم.
إن ما يحدث اليوم في جبل الشيخ هو تكريس لاحتلال مقنّع تحت شعارات كاذبة، ومرحلة جديدة من مشروع إسرائيلي طويل الأمد لإضعاف سوريا، ومنعها من استعادة دورها الإقليمي، وإبقاء المنطقة رهينة لفوضى مفتوحة على كل الاحتمالات.
اقرأ أيضًا : بدعم أبوظبي.. اتهامات جديدة ضد “الدعم السريع” باختطاف نازحات من أبو شوك