بقلم / محمود الدمنهوري

في مشهد يعكس التوتر المتصاعد بين النخب السياسية البريطانية وحركات التضامن مع فلسطين، أثار اعتقال السير جوناثان بوريت – المستشار البيئي السابق لرئيسي وزراء بريطانيا توني بلير وجوردون براون – جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية. بوريت، الذي تجاوز السبعين من عمره، وصف اعتقاله بأنه “شرف”، مؤكداً أن تهمته الوحيدة كانت رفع لافتة تطالب بإنهاء الإبادة في غزة، خلال احتجاج نظمه نشطاء من حركة “فلسطين أكشن” وسط لندن.

القصة التي بدأت بوقفة احتجاجية تحولت سريعاً إلى قضية رأي عام تكشف عن ازدواجية المعايير في التعامل مع حرية التعبير وقوانين مكافحة الإرهاب في بريطانيا.

من مستشار للحكومة إلى معتقل بتهمة “الإرهاب”

بوريت لم يكن شخصاً عادياً بين المتظاهرين. فهو شخصية مرموقة في الوسط الأكاديمي والسياسي، عمل مستشاراً بيئياً لزعماء بريطانيين، قبل أن يجد نفسه متهماً بموجب المادة الـ13 من قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000. ووفق روايته، قضى ساعتين ونصف تحت المراقبة قبل أن يتم اعتقاله، فقط لأنه رفع لافتة كُتب عليها: “أنا أعارض الإبادة، أنا أدعم بال أكشن”.

ما أثار سخرية بوريت، كما كتب في مدونته، أن معظم المعتقلين معه كانوا “مواطنين هادئين، من كبار السن أو من الطبقة الوسطى”، ورغم ذلك تعاملت الحكومة معهم وكأنهم “خلايا نائمة للقاعدة أو بوكو حرام أو حتى مجموعة فاغنر”. هذا المشهد بالنسبة له كان تجسيداً للعبثية التي وصل إليها الخطاب الأمني البريطاني.

صدام مع وزيرة الداخلية الجديدة

انتقادات بوريت لم تتوقف عند حد السخرية، بل توجه مباشرة إلى وزيرة الداخلية إيفيت كوبر التي اتخذت قرار تصنيف “فلسطين أكشن” كمنظمة إرهابية. وصفها بوريت بأنها “غبية واستبدادية”، متهماً إياها بالخضوع لضغوط مجموعات ضغط موالية لإسرائيل. وأشار إلى أن حتى المركز المشترك لتحليل الإرهاب التابع للحكومة اعترف بأن “فلسطين أكشن” لا تدعو إلى العنف ضد الأشخاص، وهو جوهر أي تعريف للإرهاب.

الأدهى، بحسبه، أن كوبر رفضت الكشف عن الأدلة التي استندت إليها، متذرعة بـ”الأمن القومي”، وهو ما يثير مخاوف من استخدام قوانين الإرهاب كغطاء لإسكات أي صوت يعارض السياسات البريطانية تجاه غزة.

بين القانون الدولي والتواطؤ في الإبادة

بوريت لم يخفِ قناعته بأن بريطانيا ستُدان عاجلاً أو آجلاً بالتواطؤ في الجرائم ضد الفلسطينيين. فهو يرى أن استمرار مبيعات السلاح لإسرائيل، ورفض الحكومة الالتزام بواجب منع الإبادة، يمثلان خرقاً واضحاً للقانون الدولي. وربط في تدويناته بين غزة وهيروشيما، قائلاً إن مشاهد الدمار في القطاع لم تعد تختلف كثيراً عن مشاهد القنبلة الذرية قبل ثمانين عاماً.

هذا الربط التاريخي يمنح تصريحاته ثقلاً أخلاقياً، خاصة أنه يأتي من شخصية عايشت عقوداً من العمل العام، ويصعب اتهامها بالتهور أو التطرف.

ازدواجية المعايير وادعاء الحريات

القضية تكشف عن تناقض جوهري في الخطاب البريطاني. فبينما ترفع لندن شعارات حرية التعبير وحقوق الإنسان، نجدها تسجن مواطنين – بينهم شخصية مرموقة مثل بوريت – فقط لأنهم اعترضوا على حرب إبادة. هنا تظهر ازدواجية المعايير: فالتظاهر من أجل أوكرانيا مثلاً يُحتفى به باعتباره دفاعاً عن القيم الإنسانية، بينما التضامن مع غزة يُجرَّم ويصنَّف كإرهاب.

هذا التناقض، كما يشير مراقبون، يعكس عمق الأزمة التي تواجهها الديمقراطية الغربية، حيث تُختزل حرية التعبير في ما يتماشى مع السياسات الرسمية، فيما يُقمع كل ما يخالفها بحجة الأمن القومي.

“فلسطين أكشن”.. لماذا هذا الاستهداف؟

حركة “فلسطين أكشن” برزت خلال السنوات الأخيرة كواحدة من أكثر المجموعات تأثيراً في كشف تواطؤ الحكومة البريطانية مع الاحتلال الإسرائيلي. تركّز الحركة على استهداف الشركات المصنعة للسلاح التي تزود إسرائيل بالذخيرة والمعدات العسكرية، مستخدمة أساليب “العصيان المدني المباشر” مثل الاعتصام أمام المصانع أو تعطيل مقرات الشركات.

ورغم أن بعض هذه التحركات ألحق أضراراً بالممتلكات، إلا أن الحركة لم تدعُ يوماً إلى استهداف الأفراد أو استخدام العنف ضد الأشخاص. وهذا ما يجعل تصنيفها “إرهابية” خطوة مثيرة للجدل، تكشف عن رغبة حكومية في إسكاتها أكثر من مواجهة خطر حقيقي.

الخلاصة: احتجاجات تكشف هشاشة الديمقراطية البريطانية

قضية بوريت تضع بريطانيا أمام مرآة محرجة. فكيف لدولة تزعم قيادة العالم في الدفاع عن الحريات أن تعتقل شخصية مرموقة لمجرد وقوفه ضد الإبادة؟ ولماذا تتحول المطالبة بوقف الحرب في غزة إلى تهمة إرهابية، بينما يُحتفى بمظاهرات أخرى تتوافق مع السياسات الرسمية؟

اعتقال جوناثان بوريت لم يكن مجرد حادثة شخصية، بل هو مؤشر على اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي البريطاني والقيم التي يدّعي الدفاع عنها. وهو يفتح الباب أمام نقاش واسع حول ما إذا كانت لندن قد تخلت فعلاً عن التزاماتها الأخلاقية والقانونية في سبيل حماية تحالفاتها السياسية والعسكرية مع إسرائيل.

في النهاية، تبقى كلمات بوريت مؤشراً على لحظة فارقة: “معارضة الإبادة ليست إرهاباً”، جملة تختصر مأزق حكومة تحاول تجريم ما لا يمكن تجريمه، وتبرير ما لا يمكن تبريره.

اقرأ أيضًا : مئات القتلى وآلاف المصابين.. إلى متى ستتحمل إسرائيل التكلفة الباهظة للحرب على غزة؟