منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تاريخ اندلاع معركة “طوفان الأقصى”، يعيش الكيان الإسرائيلي صدمة متواصلة على الصعيدين البشري والمادي.
فبينما تحاول القيادة السياسية والعسكرية إظهار صورة متماسكة للرأي العام، تكشف الأرقام الرسمية وشبه الرسمية حجم الكارثة التي يتعرض لها الجيش والمجتمع الإسرائيلي، مع آلاف القتلى والجرحى، وعشرات الآلاف من المصابين بصدمات نفسية، إلى جانب كلفة اقتصادية تهدد الميزانية العامة للدولة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تستطيع إسرائيل تحمّل هذه الخسائر المتفاقمة على المدى الطويل؟

نزيف بشري غير مسبوق
بحسب الأرقام التي اعترف بها الجيش الإسرائيلي نفسه، قُتل منذ بداية الحرب نحو 898 جندياً وضابطاً، نصفهم تقريباً خلال التوغل البري في قطاع غزة. أما الإصابات فبلغت أكثر من 6193 إصابة، بينها ما يقرب من ألف إصابة خطيرة.
ومع ذلك، تتحدث تسريبات صحفية عن أن الأرقام الحقيقية أكبر بكثير مما يُعلن، حيث أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن ما يقارب 18,500 عنصر من الجيش وقوات الأمن أصيبوا منذ اندلاع الحرب، كثير منهم يخضع حالياً لبرامج إعادة تأهيل طويلة الأمد.
وتتجاوز الأزمة الأبعاد الميدانية لتطال الجانب الإنساني في الجيش الإسرائيلي. إذ سجّلت وحدات مختلفة عشرات الوفيات بسبب “الحوادث العملياتية”، مثل النيران الصديقة أو سوء استخدام الأسلحة أو الحوادث الميكانيكية. هذه الأرقام تكشف أن ساحة المعركة ليست وحدها من تحصد أرواح الجنود، بل أيضاً الفوضى والتعب والإرهاق النفسي.
الصدمات النفسية والانتحار.. الوجه الآخر للخسائر
تُعد الخسائر البشرية المباشرة مجرد جزء من الصورة. فالمؤسسات الإسرائيلية تعترف بارتفاع غير مسبوق في معدلات الانتحار بين الجنود، حيث سُجلت أكثر من 42 حالة منذ بدء الحرب، معظمها مرتبطة بضغوط القتال في غزة. صحيفة هآرتس أكدت أن هذه الظاهرة في ازدياد، وأن الكثير من الحالات لم تُعلن رسمياً بعد.
أما الاضطرابات النفسية، فتكشف عن جبهة صامتة داخل الجيش. أكثر من 10 آلاف جندي يعانون من اضطرابات مرتبطة بصدمة الحرب، من بينهم قرابة 4 آلاف تم تشخيصهم باضطراب ما بعد الصدمة المزمن.
وللمقارنة، فإن معركة “الجرف الصامد” عام 2014 خلّفت أقل من 200 حالة معترف بها من هذا النوع، ما يوضح حجم الفارق الصادم بين حرب الأمس واليوم. هذه الأعداد الكبيرة تهدد بنشوء “جيل معطوب” من الجنود غير القادرين على العودة للحياة الطبيعية أو الخدمة العسكرية الفعالة.
الخسائر الاقتصادية.. فاتورة الحرب المفتوحة
على المستوى المالي، تبدو الصورة أكثر قتامة. فبحسب تقديرات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، تجاوزت تكلفة الحرب حتى الآن 305 مليارات شيكل (87 مليار دولار)، مع توقع أن تصل إلى 200 مليار شيكل إضافية بنهاية 2025. هذه الأرقام تُلقي بظلال ثقيلة على الموازنة العامة، حيث ارتفع العجز المالي بشكل حاد ليصل إلى 106 مليارات شيكل (أكثر من 31 مليار دولار) حتى نهاية 2024 وحدها.
صحيفة كالكاليست أشارت إلى أن نفقات الحرب بلغت فعلياً 141 مليار شيكل (42 مليار دولار) في عام واحد فقط، بينما اعتبرت صحيفة ذا ماركر أن الإنفاق على قوات الاحتياط – وحده – كلّف الدولة نحو 60 مليار شيكل (17.5 مليار دولار). وهذا ما يفسر الجهود الحكومية الرامية لتقليل الاعتماد على الاحتياط وتشجيع الجنود النظاميين على البقاء في الخدمة الدائمة، بل وحتى إعادة فتح ملف تجنيد الحريديم لتعويض النقص البشري.
التعتيم الإعلامي ومأزق القيادة
ورغم ضخامة الأرقام، تواصل الحكومة الإسرائيلية اتباع سياسة التعتيم الإعلامي، عبر الاكتفاء بذكر أسماء قتلى الجيش الذين يسمح بنشرها، وتجاهل ملف المصابين النفسيين والمعاقين. الهدف من ذلك واضح: منع انهيار معنويات الجبهة الداخلية وإبقاء صورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
لكن هذه الاستراتيجية تبدو قصيرة الأمد، لأن التسريبات الصحفية والشهادات من داخل الجيش تكشف شيئاً فشيئاً عن عمق الأزمة، وتضع القيادة السياسية والعسكرية أمام سؤال مصيري: كيف ستقنع الإسرائيليين بجدوى حرب تكلفهم أرواح أبنائهم ومليارات من أموالهم؟
ماذا بعد؟
المشهد الراهن يظهر أن إسرائيل عالقة في مستنقع غزة: خسائر بشرية متزايدة، أزمات نفسية متفاقمة، وتكلفة اقتصادية تلتهم الموازنة. وبالرغم من الدعم الأميركي السخي، فإن استمرار الحرب بهذا النسق يجعل الكلفة السياسية والاقتصادية أثقل مما تستطيع حكومة نتنياهو تحمله.
النتيجة الحقيقية ليست فقط في عدد القتلى والجرحى، بل في تآكل قوة الجيش على المدى الطويل وفقدان ثقة المجتمع الإسرائيلي في قدرته على الحسم. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ستدفع هذه الخسائر الباهظة إسرائيل إلى مراجعة استراتيجيتها في غزة، أم أن القيادة ستواصل الهروب إلى الأمام حتى الانهيار؟
اقرأ أيضا : إصابات بأول مشاجرة بعد إقرار “قانون الإيجار” في مصر.. بوادر الفتنة في مصر؟