في تطور جديد من أشكال المقاومة المدنية العالمية ضد الاحتلال الإسرائيلي، أقدم أربعة ناشطين يعرفون أنفسهم باسم “شهداء فلسطين من أجل العدالة” على اقتحام موقع شركة Moog Aircraft Group لصناعة الطائرات في بندفورد بمدينة ولفرهامبتون البريطانية، وذلك عبر صدم بوابة المصنع بسيارة ثم الصعود إلى سطح أحد المباني.

وقد أعلن الناشطون أن الهدف من تحركهم هو تعطيل خطوط الإنتاج المرتبطة ببرامج التسليح الإسرائيلية، مؤكدين أنهم أوقفوا العمل داخل المصنع لساعات، قبل أن تتدخل الشرطة البريطانية وتلقي القبض عليهم بتهم تتعلق بإتلاف الممتلكات الخاصة.

رمزية المصنع وأبعاد الاستهداف

اختيار مصنع مووغ لم يكن عشوائيًا، بل جاء بدقة ليعكس رمزية العلاقة بين شركات السلاح الغربية ومنظومة القتل الإسرائيلية في غزة. فالمصنع، الذي يعد فرعًا للشركة الأمريكية المتخصصة في أنظمة التحكم الحركي للطائرات المدنية والعسكرية، متورط بشكل مباشر – بحسب ناشطين وتقارير حقوقية – في توريد مكونات تدخل في تصنيع وتشغيل مقاتلات F-16 وF-35، وهما من أبرز الطائرات الحربية التي يشن الاحتلال بها غاراته على المدنيين الفلسطينيين. هذا الترابط بين الاقتصاد البريطاني وصناعة الحرب الإسرائيلية، يضع لندن في دائرة الاتهام بالمشاركة غير المباشرة في جرائم الحرب.

التقارير الإعلامية والحقوقية أكدت مرارًا أن بعض أجزاء برنامج F-35 البريطاني تدخل ضمن “سلسلة توريد عالمية” معقدة، يصعب تتبّع وجهتها النهائية. وقد استندت الحكومة البريطانية إلى هذا التعقيد في استثناء مكونات الـF-35 من قرارات تعليق تراخيص التصدير العام الماضي، وهو ما أيدته المحكمة العليا لاحقًا في حكم مثير للجدل. هذا الغطاء القانوني كشف هشاشة الالتزام البريطاني بالقوانين الدولية، وفضح ازدواجية لندن بين خطابها السياسي حول “حقوق الإنسان” ومصالحها الاقتصادية مع الاحتلال.

الاحتجاج كأداة لكسر رواية الاحتلال

الناشطون الأربعة، الذين ظهروا في صور وفيديوهات وهم يرتدون قمصانًا تحمل صور شهداء فلسطينيين، لم يكتفوا باقتحام المصنع، بل بثّوا مقاطع مصورة يؤكدون فيها أن تحركهم يمثل جزءًا من معركة أوسع لتعرية الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه الغربيين. هذه الصور لاقت تفاعلاً واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن الخطوة بمثابة “تعرية للرواية الرسمية” التي تحاول تبرير استمرار دعم إسرائيل عسكريًا.

ومن الجدير بالذكر أن هذه العملية تزامنت مع تصاعد الغضب الدولي إزاء جرائم الاحتلال، خصوصًا بعد المجزرة التي ارتكبها في مستشفى ناصر بخان يونس والتي أسفرت عن استشهاد 20 مدنيًا بينهم خمسة صحفيين. المفوضية الأوروبية وصفت الهجوم بأنه “غير مقبول على الإطلاق”، فيما شدد المتحدث باسمها على ضرورة حماية المدنيين والصحفيين بموجب القانون الدولي. كما طالبت مفوضة الاتحاد الأوروبي للمساواة وإدارة الأزمات، حاجة لحبيب، الاحتلال بوقف استهداف الإعلاميين الذين يحاولون نقل الحقيقة من غزة. هذه المواقف الأوروبية، رغم أنها لا ترقى إلى مستوى العقوبات أو وقف تسليح الاحتلال، تعكس بداية انهيار في الرواية الإسرائيلية التي طالما حصّنت نفسها بمظلّة “الدفاع عن النفس”.

دلالات أوسع: من ولفرهامبتون إلى غزة

عملية الاقتحام ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي ضمن سلسلة تحركات تقودها حركات مؤيدة لفلسطين في أوروبا وأمريكا الشمالية، تستهدف شركات متورطة في دعم الاحتلال، مثل Elbit Systems UK وفروع شركات أمريكية وبريطانية أخرى. هذا الأسلوب من المقاومة المدنية يهدف إلى كشف التواطؤ الصناعي والسياسي الغربي، وتحويل الرأي العام المحلي ضد استمرار دعم إسرائيل بالسلاح والتكنولوجيا.

في السياق البريطاني، يعتبر هذا الحدث بمثابة اختبار للحكومة التي تواجه انتقادات متزايدة بسبب سياستها المتراخية تجاه تصدير الأسلحة لدول متورطة في انتهاكات حقوق الإنسان. فبينما تصر لندن على الحديث عن “حل الدولتين” و”الالتزام بالقانون الدولي”، تستمر في منح تراخيص التصدير وتغض الطرف عن الشركات التي تحقق أرباحًا طائلة من دماء المدنيين في غزة. الاقتحام، وإن تم التعامل معه كجريمة محلية تتعلق بـ”إتلاف ممتلكات”، إلا أنه يفتح الباب واسعًا أمام مساءلة أكبر: إلى أي مدى تشارك بريطانيا في جرائم الحرب الإسرائيلية عبر اقتصادها العسكري؟

خاتمة: حين تنهار الأقنعة

الاقتحام الذي نفذه “شهداء فلسطين من أجل العدالة” أعاد النقاش مجددًا حول ازدواجية الغرب: من جهة، بيانات إدانة لفظية لجرائم الاحتلال في غزة، ومن جهة أخرى استمرار تدفق الدعم العسكري والتكنولوجي. ورغم أن الشرطة البريطانية سارعت إلى توقيف الناشطين وفتح تحقيق جنائي، إلا أن الحادثة تحولت إلى ضوء كاشف على عمق التورط الغربي في معاناة الفلسطينيين.

اليوم، ومع تزايد جرائم الاحتلال وفقدان روايته للمصداقية، تظهر مثل هذه التحركات كجزء من حرب وعي عالمية تضع إسرائيل وحلفاءها في موقع الاتهام. فكل مصنع يتم اقتحامه، وكل سلسلة توريد يتم كشفها، تعني ضربة جديدة لمصداقية الرواية الإسرائيلية، وتعزيزًا لصوت الفلسطينيين الذين يواجهون القصف والتهجير يوميًا. الاقتحام في ولفرهامبتون إذن ليس مجرد حدث محلي، بل هو صرخة عالمية بأن زمن الصمت على جرائم الاحتلال قد ولّى، وأن محاولات الغرب التستر خلف خطاب مزدوج بدأت تتهاوى أمام موجة متصاعدة من التضامن الشعبي والاحتجاج المباشر.

اقرأ أيضًا : اعتقال ميدو في لندن: صفعة جديدة لبلطجة نظام السيسي في الخارج