أثار تقرير المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، المعنون بـ”من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية”، جدلاً واسعًا حول دور الشركات العالمية في دعم مشروع الاستعمار الإسرائيلي.
التقرير الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ونشره موقع كاونتر بانش، لم يكتفِ بإدانة السياسات الإسرائيلية، بل فتح ملفًا شائكًا طالما جرى تجاهله: تواطؤ الشركات الكبرى في ترسيخ الاحتلال، عبر شبكات اقتصادية تسهم في التطهير العرقي، وتقويض حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
![]()
من الاحتلال إلى الإبادة.. تطور الجريمة بدعم الشركات
يشير التقرير إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يعد مجرد اقتصاد احتلال قائم على ضم الأراضي والسيطرة العسكرية، بل بات اقتصاد إبادة جماعية مدعومًا من كيانات اقتصادية عابرة للحدود. وفق ألبانيزي، فإن ثمانية قطاعات أساسية تُشكّل بنية هذا الاقتصاد: شركات الأسلحة، التكنولوجيا، البناء، البنوك، صناديق التقاعد، التأمين، الجامعات، والمنظمات الخيرية. تلعب هذه القطاعات دورًا مباشرًا في تمويل ودعم سياسات الضم، التهجير، والمراقبة، بل وحتى قتل المدنيين.
ومن الأمثلة الصارخة التي أوردها التقرير، الطائرة المقاتلة F-35 التي تُنتجها شركة “لوكهيد مارتن” الأميركية، بالتعاون مع مئات الشركات العالمية. هذه الطائرات كانت محورًا أساسيًا في الهجمات على غزة، وهي مثال على “اقتصاد القتل” الذي يعتمد على أرباح شركات السلاح لتبرير الإبادة.
شبكة شركات عالمية تبني الاستعمار الإسرائيلي
لم يتوقف الدعم عند السلاح، بل تعداه إلى دعم مادي ولوجستي مباشر للاستيطان. منذ أكتوبر 2023، وبمشاركة القطاع الخاص، تم تسريع عمليات بناء المستوطنات: نحو 200 مليون دولار خُصصت لبناء مستوطنات جديدة، وشُيّدت 57 مستوطنة وبؤرة جديدة خلال أقل من عام.
تشارك شركات من دول عدة في هذه الجرائم. شركة “كونستروسيونيس إي أوكسيليار دي فيروكاريلز” الإسبانية واصلت العمل في مشاريع القطار الخفيف الاستيطاني بالقدس رغم الضغوط الدولية. كما شاركت شركات مثل “هايدلبرغ للمواد” الألمانية، “دوسان” الكورية، و”فولفو” السويدية في توفير المعدات والمواد الخام لمشاريع البنية التحتية التي تكرّس نظام الفصل العنصري.
المقلق أن هذه الشركات لا تعمل في الخفاء، بل تُعلن عن مشاريعها في الأراضي المحتلة، بينما تتجاهل تمامًا القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. لقد أصبح الاستثمار في الاحتلال تجارة مربحة، والضم والتطهير أدوات لجني الأرباح، لا انتهاكات تستوجب المساءلة.
رقمنة الاحتلال.. عندما تُصبح التكنولوجيا شريكًا في القمع
إحدى النقاط التي أبرزها تقرير ألبانيزي هي “أتمتة القمع”، إذ باتت شركات التكنولوجيا تمثل أداة رئيسية في ترسيخ الاحتلال. تنفّذ هذه الشركات مشاريع رقابة بيومترية متقدمة، كاميرات ذكية، ونقاط تفتيش رقمية، تُحوّل حياة الفلسطينيين إلى جحيم يومي.
تُستخدم هذه الأنظمة في السجون ونقاط التفتيش والمستوطنات، وتُصدَّر بعد اختبارها على الفلسطينيين إلى دول أخرى بوصفها أدوات أمنية مبتكرة. الاحتلال، بحسب التقرير، بات مختبرًا عالميًا للتكنولوجيا الأمنية، والشركات تحصد الأرباح بينما يُدفن الفلسطينيون تحت الركام.
تواطؤ أمريكي وغربي وتنكّر للعدالة الدولية
واجهت ألبانيزي حملة تشهير واسعة من إسرائيل والولايات المتحدة، وصلت حد اتهامها بـ”معاداة السامية” و”دعم الإرهاب”. كما شككت السفيرة الأمريكية دوروثي شيا في مؤهلاتها القانونية، في محاولة لتشويه مصداقية التقرير بدل الرد على مضمونه.
اللافت أن أكثر من 20 شركة أمريكية ورد اسمها في التقرير، منها شركات تأمين وبنوك وشركات تكنولوجيا. ردّ الفعل الأمريكي لم يكن نفيًا للوقائع، بل محاولة لحماية هذه الشركات من أي مساءلة قانونية أو شعبية، ما يعكس تغوّل المصالح الاقتصادية على القيم الحقوقية.
موقف القانون الدولي.. ومسؤولية المجتمعات الحرة
رغم الحملة الشعواء، فإن تقرير ألبانيزي يستند إلى قرارات محكمة العدل الدولية، التي اعتبرت استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية “جريمة مستمرة”، وطالبت المجتمع الدولي بإنهاء هذا الوجود غير القانوني. وأكدت المحكمة على أن دعم الاحتلال – سواء بشكل مباشر أو غير مباشر – يُعد خرقًا للقانون الدولي.
ومع ذلك، تصرّ الحكومات الغربية على حماية شركاتها ومصالحها الاقتصادية، حتى لو كان الثمن دماء الفلسطينيين، ما يجعل هذه الدول شريكة صامتة – وأحيانًا صريحة – في جرائم الاحتلال.
خاتمة: من المقاطعة إلى المحاسبة.. ما العمل؟
يكشف تقرير ألبانيزي عن البعد الخفي للاحتلال: ليس فقط دبابات وجنود، بل شركات وبورصات ومجالس إدارة. إنه احتلال مدعوم بالرأسمالية العابرة للحدود، والإبادة فيه تُدار من مكاتب أنيقة في نيويورك وستوكهولم وفرانكفورت.
الرد الأخلاقي والإنساني لا يقتصر على الإدانة، بل يجب أن يشمل خطوات عملية: المقاطعة الاقتصادية، الضغط القانوني، وفضح هذه الشركات أمام الرأي العام العالمي. فكما حوصرت شركات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا حتى سقط النظام، فإن كشف “اقتصاد الإبادة” الإسرائيلي قد يكون بداية النهاية لنظام استعماري لم يعرف سوى القتل والاستيطان.
وحتى يحين ذلك اليوم، يبقى تقرير ألبانيزي وثيقة اتهام تاريخية، ومرآة صادقة تكشف تواطؤ الرأسمال العالمي في جريمة لم تنتهِ بعد.
اقرا أيضا : كمائن بيت حانون تفتك بجنود الاحتلال.. والميدان يبتلع هيبة الجيش الإسرائيلي