منذ قرون طويلة، شكّلت الصحراء السودانية فضاءً مفتوحًا لحياة البدو الرحّل، حيث لم تكن الحدود سوى خطوط وهمية ترسمها المواسم، ومسارات المياه، وحركة الأسواق. كان الراعي يعرف طريقه من دارفور إلى كردفان، ومن تخوم النيل إلى عمق البادية، بلا خوف ولا حواجز. لكن الحرب التي انفجرت عام 2023 قلبت هذا العالم رأسًا على عقب، وحوّلت المساحات الواسعة إلى مصائد موت، والحرية القديمة إلى ذكرى بعيدة، حتى بات شعار كثيرين اليوم: «الآن حدّنا الأبيّض.. هنا فقط».

الحرب تُغلق الصحراء وتكسر نمط الحياة التاريخي

مع اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم تعد الصحراء ملاذًا آمنًا للبدو، بل تحولت إلى ساحة صراع غير معلن، تعجّ بالمسلحين وقطاع الطرق ونقاط النفوذ القبلية. توقفت القوافل، وانقطعت المسارات، وتقلّصت حركة الرعي الموسمية التي كانت تمثل شريان الحياة الأساسي للرحّل.

يقول جبارة البشير، أحد رعاة الإبل في شمال كردفان، إن الحياة قبل الحرب كانت تقوم على الثقة والاعتياد: “القافلة قافلة، والسوق سوق، لا يسأل أحد عن أصلك أو قبيلتك”. أما اليوم، فقد أصبح كل طريق محفوفًا بالشكوك، وكل منطقة محتملة للعداء، وكل حركة محسوبة بالخوف.

هذا التحول لم يكن مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل نتيجة مباشرة لانهيار الدولة، وغياب سلطة القانون، وتحول السلاح إلى لغة التعامل اليومية.

انهيار التوازن الاجتماعي ومسارات الماشية

يرى الباحث المحلي إبراهيم جمعة أن الحرب دمّرت التوازن الدقيق الذي كان يحكم ملكية الأراضي ومسارات الرعي، وهو توازن تشكّل عبر أجيال من التعايش والتفاهم غير المكتوب بين القبائل والمجتمعات المحلية.

كانت هناك أعراف تنظم المرور، وتقاسم المياه، واستخدام المراعي، وتحمي الغرباء من الاعتداء. لكن مع عسكرة المجتمع، وسقوط مؤسسات الدولة، انهارت هذه المنظومة، وحلّ محلها منطق القوة والانتقام.

وبات البدو اليوم عالقين بين مناطق مغلقة، وحدود قبلية مسلحة، ونقاط نفوذ عسكرية، لا تعترف بتاريخهم ولا بحقهم في الحركة.

خطاب الكراهية وتأجيج الصراع العرقي

لم تقتصر آثار الحرب على الجانب العسكري والاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي نفسه. فقد تسللت خطابات الكراهية والشيطنة العرقية إلى المجتمعات الريفية والبدوية، مدفوعة بحملات تحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، وخطاب تعبوي يغذي الانقسام.

في محيط مدينة الأبيّض، وجد كثير من الرعاة أنفسهم فجأة موضع شك، أو هدفًا للاعتداء، فقط بسبب انتمائهم القبلي أو الجغرافي. لم تعد الهوية البدوية جسرًا للتواصل، بل أصبحت عبئًا يثير الريبة.

ويحذر جمعة من أن استمرار هذا الخطاب سيؤدي إلى تفكيك المجتمع السوداني من الداخل، حتى بعد انتهاء الحرب، إذا لم تُطلق برامج جادة للمصالحة وإعادة بناء الثقة.

سرقة المواشي: حرب موازية ضد الرعاة

إلى جانب القتال المباشر، يواجه البدو حربًا أخرى لا تقل قسوة: سرقة المواشي المنظمة. فقد انتشرت عصابات مسلحة تستهدف القوافل والقطعان، مستفيدة من الفوضى الأمنية، وضعف الشرطة، وتعدد مراكز القوة.

حامد محمد، راعٍ في ضواحي الأبيّض، يختصر المأساة بقوله: “إذا خرجت، تُسرق بهائمك. وإذا بقيت، تجوع”. هكذا بات الخيار محصورًا بين الخسارة والمخاطرة.

وتُمثّل المواشي رأس المال الوحيد لمعظم الأسر البدوية. سرقتها تعني فقدان مصدر الغذاء، والدخل، والكرامة، والاستقلال، وتحويل الراعي إلى نازح أو متسوّل.

دعم خارجي يطيل أمد الكارثة

في قلب هذه المأساة، يبرز الدور الخارجي في تغذية الصراع، وعلى رأسه الدعم الذي تقدمه الإمارات لقوات الدعم السريع، سياسيًا وماليًا ولوجستيًا، بحسب تقارير دولية وحقوقية متعددة.

هذا الدعم لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل ساهم عمليًا في تعزيز قدرات الميليشيا، وإطالة أمد الحرب، وتوسيع رقعتها، ما انعكس مباشرة على حياة المدنيين، ومنهم البدو الرحّل.

فكل شحنة سلاح، وكل دعم مالي، وكل غطاء سياسي، يعني مزيدًا من الفوضى، ومزيدًا من النزوح، ومزيدًا من تفكيك المجتمعات الهشة.

الأبيّض كحدود أخيرة للبقاء

تحوّلت مدينة الأبيّض، عاصمة شمال كردفان، إلى آخر نقطة أمان نسبي لكثير من الرعاة. لم تعد محطة عبور، بل نهاية الطريق. “الآن حدّنا الأبيّض”، عبارة تختصر انهيار عالم كامل من الحركة والانفتاح.

هنا، يتكدس البدو على أطراف المدينة، بلا خدمات كافية، ولا فرص عمل، ولا حماية حقيقية، في انتظار مجهول مفتوح. لم يعودوا رحّلًا أحرارًا، ولا مواطنين مستقرين، بل فئة عالقة بين عالمين.

مستقبل معلّق بين الحرب والمصالحة

مأساة بدو السودان ليست قصة هامشية، بل مرآة لانهيار الدولة والمجتمع معًا. إنها تكشف كيف يمكن للحرب المدعومة خارجيًا، وللمليشيات المنفلتة، أن تمحو أنماط حياة عمرها مئات السنين خلال سنوات قليلة.

من دون وقف حقيقي للحرب، ومحاسبة المتورطين، ووقف التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدعم الإماراتي للميليشيا، ستظل الصحراء مغلقة، والطرق محفوفة بالموت، والبدو أسرى الجغرافيا والخوف.

وفي بلد كان الرعاة يجوبونه بلا قيود، باتت الحرية اليوم محصورة في عبارة موجعة: “حدّنا الأبيّض.. لا أبعد من ذلك”.

اقرأ أيضًا : إعلام عبري يكشف استعدادات إسرائيل لتنفيذ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وسط انتقادات دولية