في تطور أثار جدلاً واسعاً وأعاد إلى الأذهان أطماع الحركة الصهيونية المبكرة، خرج رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعلن مجدداً تمسكه بفكرة ما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، وهي الرؤية التوسعية التي تشمل وفق المزاعم الإسرائيلية أراضي فلسطين المحتلة وأجزاء من سبع دول عربية، من بينها الأردن ومصر.

هذه التصريحات التي جاءت في مقابلة مع قناة “i24” العبرية، وصفها نتنياهو بأنها “مهمة تاريخية وروحية” يؤديها نيابة عن “الشعب اليهودي”، مؤكداً ارتباطه الوثيق بهذا المشروع الذي يقوم على التوسع وتهجير الفلسطينيين وإعادة رسم خريطة المنطقة وفق مصالح الاحتلال.

رد أردني: إدانة لفظية وتحذيرات مكررة

وزارة الخارجية والمغتربين الأردنية أصدرت بياناً على لسان الناطق الرسمي السفير سفيان القضاة، دانت فيه تصريحات نتنياهو واعتبرتها تصعيداً استفزازياً خطيراً يهدد سيادة الدول ويتعارض مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وأكد القضاة رفض المملكة المطلق لما وصفه بـ”الأوهام العبثية” التي يعكسها خطاب متطرفي الحكومة الإسرائيلية، مشيراً إلى أنها لن تنال من الأردن ولا من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. كما شدد على أن مثل هذه المواقف تعكس مأزق الحكومة الإسرائيلية وعزلتها الدولية في ظل استمرار عدوانها على غزة والضفة الغربية.

لكن على الرغم من حدّة الأوصاف، فإن البيان الأردني جاء في إطار دبلوماسي تقليدي لا يخرج عن دائرة التنديد اللفظي، دون الإعلان عن أي خطوات عملية أو إجراءات سياسية أو اقتصادية يمكن أن تشكل ضغطاً على الاحتلال. وهو ما اعتبره مراقبون انعكاساً لسياسة “إدارة الأزمة” التي ينتهجها الأردن منذ سنوات، في ظل اتفاقية وادي عربة التي ما زالت تحكم العلاقة بين عمّان وتل أبيب، رغم خروقات الاحتلال المستمرة.

رد مصري: دعوة للسلام وسط نزيف الدم

أما وزارة الخارجية المصرية فقد أصدرت بياناً أعربت فيه عن إدانتها لتصريحات نتنياهو، وطالبت بإيضاح الموقف، معتبرة أن هذه التصريحات تثير عدم الاستقرار وترفض خيار السلام. ودعت القاهرة إلى العودة للمفاوضات وإنهاء الحرب على غزة، وصولاً لإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ورغم أن البيان المصري أشار إلى تعارض تصريحات نتنياهو مع تطلعات “الأطراف المحبة للسلام”، إلا أنه لم يتضمن أي موقف عملي أو تهديد بإعادة النظر في العلاقات المصرية الإسرائيلية التي شهدت تنسيقاً أمنياً واقتصادياً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجالات الطاقة والغاز. وبذلك جاء الرد المصري، وفق مراقبين، أقل حدة حتى من البيان الأردني، ما يعكس استمرار التوجه الرسمي في القاهرة نحو الحفاظ على مسار “السلام البارد” دون تصعيد مباشر مع الاحتلال.

تصريحات نتنياهو: قراءة في التوقيت والدلالات

تصريحات نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى” لم تأتِ في فراغ، بل جاءت في ذروة حرب إبادة على غزة دخلت شهرها الحادي عشر، وفي ظل عزلة سياسية متزايدة للاحتلال على الساحة الدولية. وفي هذا السياق، يرى محللون أن نتنياهو يسعى إلى إعادة إحياء الخطاب الأيديولوجي التوسعي لجذب القاعدة اليمينية المتطرفة التي يتشارك معها الحكم، وإشغال الرأي العام الإسرائيلي بخطط كبرى تتجاوز حدود الحرب الجارية.

كما أن هذه التصريحات تذكّر بالمخططات التاريخية للحركة الصهيونية، التي وضعت منذ أواخر القرن التاسع عشر تصورات لدولة تمتد من النيل إلى الفرات، وهو الشعار الذي ظل حاضراً في أدبيات بعض الأحزاب الإسرائيلية، وإن تم التخفيف من الإعلان عنه في مراحل معينة لأسباب سياسية ودبلوماسية.

المضمون الخطير لرؤية “إسرائيل الكبرى”

وفق الرواية الصهيونية، فإن حدود “إسرائيل الكبرى” تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة إضافة إلى أجزاء واسعة من الأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق والسعودية والكويت. والأخطر أن هذه الرؤية لا تقف عند التوسع الجغرافي، بل تمتد إلى مشروع تقسيم ما تبقى من الدول العربية على أسس طائفية وعرقية، بما يضمن إضعافها وتفتيتها إلى كيانات صغيرة متناحرة، ما يسهل على الاحتلال الهيمنة على المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

الرد العربي الرسمي: بين العجز والانبطاح

المفارقة أن ردود الأردن ومصر، وهما الدولتان اللتان ذكرهما نتنياهو صراحة في نطاق “إسرائيل الكبرى”، اقتصرت على بيانات دبلوماسية مكررة، في وقت كان يُفترض فيه أن يشكل هذا التصريح جرس إنذار استراتيجي يستدعي تنسيقاً عربياً عاجلاً وخطوات تصعيدية واضحة. لكن واقع الأنظمة العربية، خصوصاً تلك المرتبطة باتفاقيات سلام أو ترتيبات أمنية مع الاحتلال، يكشف عن أولويات مختلفة تقوم على تجنب المواجهة المباشرة والحفاظ على الوضع القائم، حتى لو كان ذلك على حساب السيادة الوطنية.

ويرى منتقدون أن البيانات التي صدرت تعكس حالة من الذل السياسي والانبطاح أمام الاحتلال، إذ لم تتجاوز حدود اللغة الدبلوماسية الباردة، ولم تترافق مع أي تحرك عملي مثل استدعاء السفراء، أو تجميد الاتفاقيات، أو التصعيد في المحافل الدولية. وهو ما يفسر استمرار الاحتلال في إطلاق تصريحات استفزازية من هذا النوع دون خشية من تبعات حقيقية.

خلاصة: أوهام نتنياهو وفراغ الرد

في المحصلة، تكشف هذه الأزمة عن فجوة عميقة بين حجم الخطر الذي تمثله تصريحات نتنياهو، وبين طبيعة الرد العربي الرسمي الذي جاء في حدود التنديد اللفظي. فـ”إسرائيل الكبرى” ليست مجرد شعار انتخابي أو دعاية يمينية، بل هي رؤية سياسية وأمنية تستند إلى عقيدة توسعية أثبت التاريخ أن الاحتلال يسعى لتطبيقها خطوة خطوة، سواء عبر الحروب المباشرة أو من خلال فرض وقائع على الأرض بالاستيطان والتهجير.

أما الاكتفاء ببيانات شجب وإدانة، فيعني فعلياً ترك المجال مفتوحاً أمام الاحتلال لتوسيع مخططاته، في ظل حالة عربية رسمية عاجزة أو متواطئة، وشعوب تدرك أن مواجهة هذه الأوهام لن تأتي من قصور الحكم، بل من إرادة الشعوب وقوى المقاومة على الأرض.

اقرأ أيضًا : بوغوتا تدين الارتزاق بعد تجنيد الإمارات لكولومبيين للقتال في السودان