في تطور جديد يزيد من حدة الجدل حول دور الإمارات في النزاعات الإقليمية، أعلن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إدانته القاطعة لمشاركة مرتزقة من بلاده في حرب السودان، مطالباً بحظر تجنيدهم بشكل كامل.
جاء ذلك بعد تقارير موثقة كشفت عن تورط مقاتلين كولومبيين في صفوف قوات الدعم السريع، وهي القوة المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين منذ اندلاع الصراع في أبريل/نيسان 2023.
بيترو صرّح بلهجة حادة: “أرادوا الحرب داخل كولومبيا بشدة، ومع ضعف النزاع هنا، سعوا إليها خارج حدودنا حيث لم يؤذِنا أحد”، في إشارة إلى أن دافع هؤلاء لم يكن سوى البحث عن مكاسب مالية في ساحات قتال لا علاقة لبلادهم بها. وأضاف أنه أمر سفيرة بلاده في مصر بالتحقق من أعداد القتلى الكولومبيين في السودان، وسط تقديرات غير مؤكدة تشير إلى نحو 40 قتيلاً.

إدانة رسمية وتوثيق سوداني لتورط مرتزقة
الحكومة السودانية لم تترك الأمر في إطار الاتهامات الإعلامية، بل أكدت امتلاكها وثائق ومستندات تثبت وجود مقاتلين كولومبيين ومئات الآلاف من المرتزقة من دول الجوار، قالت إن الإمارات موّلت وجندت بعضهم لصالح قوات الدعم السريع. الخارجية السودانية شددت على أن هذه الظاهرة تهدد السلم والأمن الإقليمي، محذرة من أن تدفق المقاتلين الأجانب يطيل أمد الحرب ويزيد من حجم المأساة الإنسانية.
ورغم تكرار نفي الإمارات أي صلة لها بتمويل قوات الدعم السريع، فإن تقارير لخبراء أمميين ومسؤولين أميركيين ومنظمات حقوقية رصدت قنوات دعم إماراتية لوجستية ومالية لتلك القوات، خاصة عبر شبكات تجارية وأمنية تعمل خارج الأطر الرسمية.
إغراءات مالية ومسارات تجنيد مشبوهة
منصة “سودان بلس” بثت تقريراً استقصائياً حول تدفق المرتزقة إلى السودان، مؤكدة أن الأمر يشمل مقاتلين من أفريقيا وأميركا الجنوبية، وصولاً إلى كولومبيا. التقرير كشف عن مسارات تهريب وتجنيد تبدأ من مناطق مثل بوصاص والكفرة ونيالا، وتنتهي بمقاتلين كولومبيين يتسلمون رواتب مغرية مقابل الانخراط في صفوف الدعم السريع.
موقع “لا سيا باسيا” الكولومبي أوضح أن أكثر من 300 عسكري كولومبي سابق يقودهم عقيد متقاعد وصلوا السودان، بعضهم لتدريب مقاتلين سودانيين، بينهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عاماً، في معسكرات جنوب نيالا تضم ما بين ألف إلى ثلاثة آلاف فرد.
التحقيق ربط كل الخيوط بأبوظبي، مشيراً إلى أن شركة أمنية إماراتية باسم “غلوبال سيكورتي سيرفس كروب” كانت تستدرج العسكريين الكولومبيين المتقاعدين تحت ذريعة حماية منشآت نفطية في أفريقيا، قبل أن ينتهي بهم الأمر في جبهات القتال السودانية.
السودان.. ساحة مفتوحة لصراع النفوذ الإقليمي
هذه التطورات تأتي في وقت حذرت فيه صحيفة “وول ستريت جورنال” من تحول السودان إلى ساحة معركة دولية، اجتذبت مقاتلين وأسلحة من مناطق بعيدة كأميركا اللاتينية وأوروبا.
الصحيفة أوضحت أن الصراع بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” أصبح جزءاً من تنافس إقليمي أوسع، تتصدره الإمارات من جهة ومصر من جهة أخرى، وسط تداعيات مدمرة على سكان السودان البالغ عددهم نحو 48 مليون نسمة، نصفهم تقريباً على حافة المجاعة.
الأمم المتحدة وصفت الوضع في السودان بأنه “أكبر أزمة إنسانية في أفريقيا”، مع نزوح الملايين وتدمير البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية.
تأجيج الحرب ودور الإمارات المثير للجدل
اتهام الإمارات بتجنيد وتمويل المرتزقة لا ينفصل عن سياق أوسع لدورها في تأجيج النزاعات الإقليمية. فبحسب مراقبين، تعتمد أبوظبي على سياسة توظيف قوات بالوكالة لتحقيق مصالحها الجيوسياسية، سواء في اليمن أو ليبيا أو القرن الأفريقي، وهي سياسة تتيح لها التأثير العسكري دون تحمل الكلفة البشرية والسياسية المباشرة.
في حالة السودان، يشير منتقدو الإمارات إلى أن دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع يأتي في إطار محاولة تأمين نفوذ على الموانئ ومصادر الذهب والموارد الطبيعية، فضلًا عن تعزيز موقعها في معادلات الأمن الإقليمي للبحر الأحمر. هذا الدعم – إن ثبت – يعني عملياً تغذية الحرب وإطالة أمدها، في وقت تتعالى فيه الدعوات الدولية لوقف القتال والبدء في عملية سياسية شاملة.
ردود فعل دولية ومطالب بالتحقيق
إعلان الرئيس الكولومبي عن تشريع جديد لحظر الارتزاق جاء متناغماً مع دعوات أممية لتشديد القوانين الدولية لمكافحة تجنيد المقاتلين الأجانب. منظمات حقوقية حذرت من أن سوق المرتزقة بات أكثر نشاطاً من أي وقت مضى، مستفيداً من حالة الفوضى وضعف الدول، ما يجعل من السهل استقطاب مقاتلين محترفين برواتب تفوق أضعاف ما يتقاضونه في جيوشهم النظامية.
كما أن قضية السودان تطرح أسئلة صعبة على المجتمع الدولي: هل سيكتفي بالإدانات، أم سيفرض آليات رقابية وعقوبات على الدول والشركات المتورطة في تشغيل المرتزقة؟
خاتمة: حرب بالوكالة على حساب الشعب السوداني
الملف الكولومبي في حرب السودان يكشف جانباً مظلماً من صراعات اليوم: جيوش من المرتزقة تتحرك عبر القارات بدوافع مالية، مدعومة من دول تبحث عن النفوذ بأي ثمن. وفي ظل اتهامات مباشرة للإمارات بالضلوع في هذا النشاط، تصبح الدعوات لوقف الحرب وإخراج المقاتلين الأجانب أكثر إلحاحاً، لكن العقبات السياسية والاقتصادية تجعل تحقيق ذلك هدفاً بعيد المنال.
حتى ذلك الحين، سيظل السودان يدفع الثمن من دماء أبنائه، فيما تتواصل لعبة النفوذ على أرضه، لتثبت مرة أخرى أن الحروب بالوكالة لا تُبقي ولا تذر.
اقرأ أيضًا : تحذير أمريكي لرعاياها في الإمارات من الاقتراب من أماكن الإسرائيليين.. لماذا؟