في ظل تصاعد مشاعر الغضب الشعبي إزاء استمرار المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة، قمعت قوات الأمن الأردنية، مساء الثلاثاء، مئات المتظاهرين من الوصول إلى محيط السفارة الإسرائيلية في منطقة الرابية بالعاصمة عمّان، وذلك عقب دعوات شعبية وحزبية ونقابية للاحتشاد تعبيراً عن رفضهم للعدوان المتواصل ودعماً للمقاومة الفلسطينية.
الاحتجاج، الذي دعا إليه الملتقى الوطني لدعم المقاومة بالتعاون مع قوى شعبية ونقابية، تحوّل إلى ساحة مواجهة غير متكافئة، إذ استخدمت قوات الأمن الأردني القوة لتفريق المتظاهرين، ما أسفر عن إصابات واعتقالات، وأثار موجة انتقادات واسعة للموقف الرسمي في الداخل.
قمع مكثّف وحصار أمني واسع
منذ ساعات العصر، فرضت الأجهزة الأمنية طوقاً أمنياً واسعاً على محيط السفارة، تجاوز الكيلومتر، وأغلقت كافة الطرق المؤدية إلى مسجد الكالوتي، الذي يُعد نقطة انطلاق رمزية ومركزية لأي احتجاج ضد الاحتلال الإسرائيلي في الأردن.
وشهدت المنطقة انتشاراً مكثفاً لقوات الدرك والشرطة، بالإضافة إلى وجود أفراد بزي مدني.
ورغم الحصار الأمني، نجحت بعض المجموعات الشبابية في الوصول إلى الشوارع المحاذية لمنطقة الرابية، ورددوا هتافات مناوئة للاحتلال، منددة بالصمت الدولي والتخاذل العربي، قبل أن تبادر القوات الأمنية إلى تفريقهم بالقوة.
وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل صوراً تظهر اعتداءات بالضرب والسحل نفذها عناصر أمن وأشخاص بزي مدني على متظاهرين، من بينهم الناشط الشبابي محمد صيام الذي تم اعتقاله مع آخرين.
كما أدى إغلاق الطرق والشوارع المحيطة إلى اختناقات مرورية واسعة في المناطق المجاورة، وسط استياء عام من طريقة التعامل الأمني مع المحتجين الذين وصفوا تدخل الأمن بأنه “تعدٍّ صارخ على الحريات العامة وحق التعبير”.
احتجاجات تحمل رسائل سياسية وشعبية قوية
اللافت في الاحتجاجات الأخيرة، التي رُفعت تحت شعار “دعم المقاومة حماية للأردن والأمة”، أنها لم تقتصر على الموقف الرافض للعدوان على غزة فحسب، بل حملت رسائل سياسية واضحة تجاه السياسة الخارجية الأردنية. فقد طالب المحتجون بـ:
-
إغلاق السفارة الإسرائيلية في عمّان وقطع العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب.
-
إلغاء معاهدة وادي عربة، التي تُعد من أبرز الملفات الخلافية بين الشارع والنظام منذ توقيعها عام 1994.
-
وقف استيراد الغاز من إسرائيل، باعتباره “غازاً مسروقاً من فلسطين المحتلة”.
-
الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين الذين احتجزوا على خلفية مشاركتهم في وقفات داعمة لغزة والمقاومة.
-
استخدام الأدوات السياسية والاقتصادية المتاحة للضغط على الاحتلال ووقف حرب الإبادة في القطاع.
وأكد المتظاهرون أن دعم المقاومة ليس فقط واجباً قومياً وإنسانياً، بل هو أيضاً ضرورة أمنية وطنية لحماية الأردن من أطماع إسرائيل، التي لا تُخفي أجندتها التوسعية، خاصة في ظل اليمين المتطرف الحاكم داخل كيان الاحتلال.
تناقض بين الموقف الرسمي والمزاج الشعبي
تكرار قمع الفعاليات الشعبية الداعمة لفلسطين يُسلّط الضوء مجدداً على الفجوة المتزايدة بين الموقف الرسمي الأردني، الذي يُعبّر عنه غالباً ببيانات دبلوماسية خجولة، وبين الشارع الأردني الذي يُظهر انخراطاً متزايداً في دعم القضية الفلسطينية، ورفضاً قاطعاً لأي شكل من أشكال التطبيع مع الاحتلال.
ورغم أن الحكومة الأردنية عبّرت أكثر من مرة عن “إدانتها” للعدوان الإسرائيلي على غزة، إلا أن هذه الإدانة لم تُترجم إلى خطوات عملية ملموسة تُرضي المزاج الشعبي، مثل طرد السفير الإسرائيلي أو استدعاء السفير الأردني من تل أبيب.
هذا التباين في المواقف فاقم من حالة الاحتقان، وفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود استقلالية القرار السياسي الأردني في ملفات حساسة كالقضية الفلسطينية.
القبضة الأمنية المشددة ضد الفعاليات الأخيرة دفعت ناشطين إلى اتهام الدولة بأنها تخلت عن دورها التاريخي في دعم المقاومة، و”ارتضت دور الوسيط الصامت”، في وقت يتعرض فيه الفلسطينيون لإبادة جماعية بشهادة منظمات دولية.
إلى أين يتجه المشهد الأردني؟
ما جرى مساء الثلاثاء أمام محيط السفارة الإسرائيلية لا يمكن فصله عن المشهد العام في الأردن، الذي يعيش حالة من الغليان الشعبي، تتقاطع فيها القضايا السياسية بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية.
فمن جهة، يشعر الشارع الأردني بأنه يتم تقييده ومنعه من ممارسة حقه في التعبير عن الغضب تجاه احتلال لا يكتفي بتدمير غزة، بل يُهدد استقرار الإقليم بأكمله، ومن جهة أخرى، تحاول الدولة الأردنية الموازنة بين الضغوط الدولية والالتزامات السياسية من جهة، والمزاج الشعبي المشتعل من جهة أخرى.
لكن هذا التوازن يبدو هشاً، خاصة مع استمرار الاعتقالات وتقييد الحريات، في وقت تتجه فيه أنظار الأردنيين والعرب إلى غزة، وتزداد فيه قناعة قطاعات واسعة بأن “الرد الحقيقي على الإبادة في القطاع يبدأ من العواصم العربية”.
وفي حال لم تبادر الدولة إلى خطوات عملية تعيد الاعتبار لمكانتها الإقليمية، فقد تجد نفسها أمام موجات احتجاجية أشدّ، يصعب تطويقها بوسائل أمنية فقط.
اقرأ أيضًا : صفعة دبلوماسية: حماس ترحب بطرد سفير الاحتلال من قمة أفريقية حول الإبادة الجماعية