في خطوة تحمل دلالات سياسية وأخلاقية عميقة، أثار طرد سفير الاحتلال الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نغوس، من مؤتمر أفريقي حول الإبادة الجماعية في رواندا، تفاعلات واسعة في الأوساط الإقليمية والدولية.
وكان أبرز هذه التفاعلات، بيان الترحيب الصادر عن حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي رأت في الخطوة موقفًا شجاعًا من الاتحاد الأفريقي وتعبيرًا عن انسجامه مع مبادئه التاريخية الداعمة لحقوق الشعوب في التحرر، لا سيما الشعب الفلسطيني.
طرد السفير جاء بعد اعتراض واسع من وفود أفريقية شاركت في القمة التي عُقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث اعتبروا وجود ممثل للاحتلال الإسرائيلي في فعالية تناقش مأساة إنسانية كبرى مثل الإبادة الجماعية، أمرًا منافٍ للمنطق والعدالة، في ظل الجرائم الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة.
![]()
الطرد: حدث دبلوماسي يتجاوز الإجراء البروتوكولي
لم يكن طرد السفير الإسرائيلي مجرد تصرف بروتوكولي عابر، بل يعكس تحولًا متناميًا في المزاج الأفريقي تجاه الكيان الإسرائيلي، خاصة في ضوء عدوانه المتواصل على الشعب الفلسطيني.
فوفقًا لمراسل الجزيرة، فإن السفير الإسرائيلي طُرد من قاعة مانديلا بمقر الاتحاد الأفريقي، بعد اعتراض عدة دول على مشاركته المفاجئة وغير المعلنة في المؤتمر السنوي حول الإبادة الجماعية في رواندا، والذي يُعد مناسبة رمزية في تاريخ القارة.
توقف المؤتمر مؤقتًا حتى مغادرة السفير القاعة، ما يشير إلى حجم الغضب الذي أثاره حضوره بين عدد من الوفود، التي لم تكتفِ بالاعتراض الصامت، بل دفعت إلى اتخاذ خطوة علنية بطرده.
هذه الحادثة لم تأتِ من فراغ، بل تتسق مع سياق أفريقي أوسع يشهد تصاعدًا في انتقادات الدول الأفريقية للانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا سيما في ظل الحملة العسكرية المستمرة على غزة، والتي باتت كثير من المنظمات الحقوقية تصفها بـ”الإبادة الجماعية”.
إسرائيل والاتحاد الأفريقي: علاقة مأزومة تبحث عن شرعية مفقودة
منذ تأسيس الاتحاد الأفريقي عام 2002، حظيت بعض الدول والمنظمات غير الأفريقية بصفة مراقب، لكن إسرائيل ظلت لسنوات تسعى للدخول إلى هذا النادي بهدف كسر العزلة الدبلوماسية التي تفرضها عليها القضية الفلسطينية.
وقد نجحت بالفعل في نيل صفة مراقب عام 2021، في خطوة أثارت موجة احتجاج واسعة داخل الاتحاد نفسه، إذ اعترضت دول عدة على قبول الكيان الإسرائيلي عضواً مراقباً، باعتبار أن استمرار احتلاله للأراضي الفلسطينية يناقض مبادئ الاتحاد الأفريقي وميثاقه الداعم لحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وبعد ضغوط متواصلة، قرر الاتحاد لاحقًا تجميد عضوية إسرائيل كمراقب، وهو ما شكل ضربة سياسية مؤلمة لتل أبيب، التي كانت تراهن على توسيع علاقاتها في القارة السمراء لمواجهة النفوذ الفلسطيني التقليدي.
ويُذكر أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت أول من مُنح صفة المراقب عام 1973، وتحظى بدعم واسع من غالبية الدول الأعضاء، خاصة بعد أن خاضت نضالاً طويلاً مشابهاً لما عايشته دول أفريقيا في مواجهة الاستعمار.
حماس: الاحتلال بلا شرعية أخلاقية ولا مكان له في المحافل الدولية
في تعليقها على طرد السفير، اعتبرت حماس أن هذه الخطوة تُعد انتصارًا رمزيًا مهمًا للحق الفلسطيني، ورسالة قوية بأن الاحتلال لا يمكنه الاستمرار في تبييض جرائمه من خلال حضوره في المؤتمرات الدولية.
وأشارت الحركة في بيانها إلى أن “وقاحة الكيان المحتل بلغت حدًا غير مسبوق”، بإيفاده سفيرًا لمؤتمر يناقش الإبادة، بينما “جيشه يرتكب فعليًا إبادة جماعية في قطاع غزة”.
كما دعت الحركة إلى “مقاطعة شاملة للاحتلال”، وإلى منع ممثليه من المشاركة في المنصات الدولية، لا سيما تلك التي تبحث قضايا حقوق الإنسان أو المآسي الإنسانية، مؤكدة أن السماح له بالحضور يُعد نوعًا من التواطؤ أو التغاضي عن جرائمه.
أفريقيا تكتب ميثاق أخلاقي جديد
هذه الحادثة تكشف عن وعي أفريقي متزايد بخطورة التطبيع غير المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما حين يتم عبر مؤسسات يفترض بها الدفاع عن القيم الإنسانية.
كما أنها تبرز أن هناك أصواتًا أفريقية ما زالت تنحاز إلى الشعوب المضطهدة، وتُدرك بعمق أن وجود الاحتلال الإسرائيلي في محافل حقوق الإنسان هو تناقض صارخ لا يمكن السكوت عليه.
وبينما تسعى إسرائيل بكل الوسائل إلى التسلل دبلوماسيًا إلى أفريقيا، يبدو أن الطريق لم يعد مفتوحًا أمامها كما كان في الماضي، خصوصًا مع استمرار جرائمها في غزة والضفة الغربية، وتزايد الانتقادات الدولية التي تتهمها بانتهاك القانون الدولي وارتكاب جرائم حرب.
ردّ حماس، في هذا السياق، لم يكن مجرد إشادة، بل تأكيد على ضرورة تحويل هذه الخطوة إلى استراتيجية مقاومة دبلوماسية شاملة، تبدأ من طرد السفراء، ولا تنتهي عند سحب الاعتراف أو وقف التعاون مع كيان استيطاني عنصري فقد كل شرعية.
اقرأ أيضًا : الإضراب العالمي يبدأ نصرة لغزة.. انتفاضة شعبية تتوسع ورفض عالمي للمجازر الإسرائيلية