وصفت الأمم المتحدة الوضع الإنساني في قطاع غزة بأنه “الأسوأ” منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الشامل على القطاع في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في ظل استمرار المجازر والتجويع الممنهج، وتضييق الخناق على أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين. 

في تصريح صادم، أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن الكارثة الإنسانية “بلغت مستوى غير مسبوق من التدهور”، مشيراً إلى أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) يؤكد دخول غزة في أسوأ مراحلها منذ بدء الحرب.

في الوقت الذي يتصاعد فيه القصف الإسرائيلي، تستمر القوات المحتلة في تدمير ما تبقى من البنية التحتية المدنية، واستهداف المستشفيات ومراكز الإيواء، بالتوازي مع حصار غذائي خانق حرم الأهالي من أبسط مقومات الحياة.

ومع استمرار منع إدخال المساعدات لأكثر من 80 يوماً، لم تعد المجاعة تهديدًا، بل أصبحت واقعاً يعيشه الفلسطينيون كل لحظة.

تجويع وقصف.. جريمة مزدوجة بحق المدنيين

الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 50 فلسطينيًا خلال الساعات الماضية، لم تستثنِ أحدًا: منازل دمرت على رؤوس ساكنيها، سيارات استُهدفت أثناء تنقل المدنيين، وخيام نازحين تحولت إلى رماد بفعل القصف. وكان لافتًا استهداف الاحتلال تجمعات للمدنيين الذين هرعوا لتسلّم المساعدات الغذائية، وكأن الجوع وحده لا يكفي لقتلهم، بل يُلاحَقون بالصواريخ حتى وهم يبحثون عن كسرة خبز.

وفي مشهد يختزل المأساة، أعلن الاحتلال عن إخلاء مستشفى العودة شمال القطاع، ليضاف إلى سلسلة طويلة من المستشفيات التي تحوّلت إلى أهداف عسكرية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. 

هذه الخطوة زادت من معاناة المصابين والمرضى، حيث تُركوا دون رعاية طبية، أو أُجبروا على التهجير القسري بحثاً عن مأوى غير موجود.

وقد أكد دوجاريك أن نحو 200 ألف فلسطيني اضطروا للنزوح مجددًا خلال الأسبوعين الأخيرين، في موجة تهجير هي الأوسع منذ بدء الحرب. اللافت أن أعداد النازحين ترتفع يومياً، بينما تغيب أبسط مقومات الإيواء والحماية، ما يعني أن المجاعة والمرض باتا يشكلان تهديداً أكبر من القصف نفسه.

تواطؤ دولي وصمت عربي.. السيسي شريك في الحصار

رغم فظاعة الجرائم المرتكبة، لا تزال الاستجابة الدولية عاجزة أمام آلة الحرب الإسرائيلية. لكن الأخطر من هذا الصمت هو التواطؤ المباشر من بعض الأنظمة العربية، وفي مقدمتها النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، الذي حول معبر رفح – شريان الحياة الوحيد لغزة – إلى أداة ضغط سياسي وأمني بيد الاحتلال.

لقد تجاوز الدور المصري حد الحياد السلبي، ليصل إلى المشاركة الفعلية في تشديد الحصار عبر منع دخول المساعدات، أو التنسيق مع واشنطن وتل أبيب لوضع شروط تعجيزية على قوافل الإغاثة. وتأتي هذه السياسات امتدادًا لنهج تطبيعي يضع “أمن إسرائيل” فوق حياة الملايين من الجوعى في غزة.

ولا يخفى على أحد أن السيسي يحاول استغلال المأساة كورقة تفاوض في ملفاته الداخلية والخارجية، بينما تُزهق أرواح الأطفال والنساء في القطاع. وفي الوقت الذي تتحدث فيه مصر عن مبادرات للتهدئة، فإن الوقائع على الأرض تثبت أنها تمارس “دبلوماسية الخنق”، لا الوساطة.

غزة تموت والعالم يتفرّج

في ظل هذه المعطيات الكارثية، لم يعد وصف غزة بأنها “أكثر أماكن العالم جوعاً” كافياً لفهم حجم الجريمة. فالأمر تجاوز المجاعة إلى إبادة متعددة الأوجه: قتل جماعي بالقصف، تهجير قسري، حصار غذائي، انهيار صحي، وتواطؤ رسمي عربي ودولي.

إن استمرار هذه الحرب دون رادع، وغياب المحاسبة، وتمكين الاحتلال من التحكم في حياة الفلسطينيين وموتهم، يُعدّ وصمة عار في جبين النظام الدولي. ورغم الجهود المحدودة من بعض وكالات الأمم المتحدة، فإن الدعم الإنساني لا يزال خاضعًا لشروط الاحتلال، فيما يموت الغزيون جوعًا وقهرًا.

ما يحدث في غزة ليس “كارثة طبيعية”، بل جريمة متعمّدة بأدوات عسكرية وسياسية وإعلامية. ومهما حاولت إسرائيل وحلفاؤها التغطية على الحقيقة، فإن التاريخ سيسجل أن شعبًا أعزل حوصر وقُصف وجُوّع، بينما تآمر عليه العالم.

وقد آن الأوان لأن يتحوّل الغضب العالمي إلى فعل حقيقي، يُنهي هذا الفصل المظلم من الوحشية والخذلان.

اقرأ أيضًا : “مساعدات بالرصاص”.. كيف تحوّلت خطة أمريكا وإسرائيل الإغاثية في غزة إلى فخّ دموي؟