أطلقت الأمم المتحدة صافرة إنذار جديدة بشأن تفاقم أزمة الجوع في اليمن، مؤكدة أن البلاد تتجه نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة اعتبارًا من سبتمبر/أيلول المقبل، حيث سيواجه نحو 18 مليون إنسان – أي ما يقارب نصف الشعب اليمني – جوعًا حادًا، في وقت لا يتجاوز فيه حجم التمويل الدولي لتلبية الاحتياجات الإنسانية 17% فقط من المطلوب.
هذه الأرقام الصادمة ليست سوى انعكاس لواقع دموي صنعته الحرب الممتدة منذ أكثر من تسع سنوات، حرب دفعتها أطماع إقليمية تقودها الإمارات التي لعبت دورًا رئيسيًا في تمزيق اليمن وجره نحو الفوضى والمجاعة.
جوع على أبواب الكارثة
بحسب بيان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فإن اليمن يقف اليوم على عتبة مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.
-
18 مليون شخص (52% من السكان) سيحتاجون مساعدات عاجلة ابتداءً من سبتمبر.
41 ألف إنسان سيتعرضون لانعدام غذائي حاد يصل إلى مرحلة المجاعة (التصنيف الخامس).
-
5.5 ملايين في مستوى “الطوارئ” (المرحلة الرابعة).
-
12.6 مليون في مستوى “الأزمة” (المرحلة الثالثة).
هذه المؤشرات تعني أن أسرة واحدة من كل خمس أسر ستجد نفسها بلا غذاء تقريبًا، وأن المجاعة باتت أقرب من أي وقت مضى، فيما تنهار مقومات الحياة الأساسية في بلد يعتمد أكثر من 80% من سكانه على المساعدات الدولية.
حرب الإمارات.. من الأطماع إلى التجويع
قد تبدو الأرقام أممية بحتة، لكن خلفها تكمن أيادٍ إقليمية لعبت الدور الأخطر في تعميق مأساة اليمن. فمنذ تدخلها العسكري في 2015 تحت غطاء “التحالف العربي”، حوّلت الإمارات الجنوب اليمني إلى ساحة نفوذ خاصة بها، سيطرت فيها على الموانئ والجزر الإستراتيجية، وعلى رأسها عدن وسقطرى، وأدارت عبر مليشياتها المسلحة سياسة تقويض الدولة المركزية.
بالتوازي، ساهمت أبوظبي في تعطيل وصول المساعدات الإنسانية عبر التحكم في الموانئ وفرض قيود على حركة الغذاء والوقود، الأمر الذي انعكس مباشرة على ارتفاع أسعار السلع الأساسية وانعدامها في بعض المناطق. هذه السياسة لم تكن عشوائية، بل جزءًا من استراتيجية أوسع للهيمنة الاقتصادية والعسكرية، ولو على حساب تجويع ملايين المدنيين.
التمويل المفقود.. حصار مزدوج على اليمنيين
رغم أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن تحتاج إلى 2.48 مليار دولار هذا العام، فإن ما وصل بالفعل لم يتجاوز 17%. هذا العجز الكارثي يعكس أولًا تراجع التزامات المجتمع الدولي، لكنه أيضًا نتيجة مباشرة لتعقيد الوضع بفعل التدخلات الإماراتية والسعودية التي أفرغت الجهود الإنسانية من مضمونها.
فالمجتمع الدولي يواجه مأزقًا حقيقيًا: كيف يمكنه ضخ التمويل والمساعدات في بلد تتحكم فيه مليشيات مدعومة إماراتيًا؟ وكيف تصل هذه المساعدات إلى من يستحقها بينما تُستخدم الموانئ والمطارات كورقة ضغط سياسي واقتصادي؟ بهذا المعنى، فإن المجاعة في اليمن ليست مجرد كارثة طبيعية أو اقتصادية، بل مجاعة مصنوعة سياسيًا، صنعتها أيادٍ تسعى لتقسيم البلاد والسيطرة على موارده.
انهيار اقتصادي وواقع إنساني مأساوي
الحرب التي أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت الملايين لم تقتصر آثارها على الجانب الأمني، بل دفعت البلاد إلى انهيار اقتصادي شامل. فقد انهارت العملة الوطنية، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، ما جعل أبسط الاحتياجات اليومية خارج متناول المواطن.
الأمم المتحدة أشارت إلى أن نحو 80% من السكان يعيشون على المساعدات، لكن هذه المساعدات نفسها باتت رهينة لنقص التمويل من جهة، ولعقبات الإمارات من جهة أخرى، ما يعني أن المدني اليمني محاصر بين مطرقة الانهيار الاقتصادي وسندان الأطماع الخارجية.
اليمن بين وصاية دولية وأطماع إماراتية
إن عجز الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن فرض حلول جذرية لأزمة اليمن يكشف عن تناقض عميق: فبينما تُصدر بيانات تحذيرية عن الجوع والمجاعة، تغض الطرف عن الممارسات الإماراتية التي تذكي نار الحرب وتعرقل وصول الغذاء. هذا التواطؤ الضمني يجعل من اليمن اليوم مختبرًا للوصاية الدولية التي تكتفي بالتشخيص دون معالجة الأسباب الحقيقية.
الإمارات التي رفعت شعار “استعادة الشرعية” لم تجلب لليمنيين سوى واقع من التفتيت والتجويع. بل يمكن القول إنها لعبت الدور الأخطر في تحويل الأزمة الإنسانية إلى أداة ابتزاز سياسي، تستغلها في صفقات السيطرة على الموانئ والجزر.
خاتمة: هل يتحرك العالم قبل فوات الأوان؟
اليمن اليوم أمام مفترق طرق مصيري: إما أن يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل لوقف الحرب ورفع اليد الإماراتية عن الموانئ والمنافذ وإيجاد تمويل حقيقي لخطة الاستجابة، أو أن يترك البلاد تنزلق إلى مجاعة القرن التي قد تبتلع حياة الملايين.
لكن السؤال الأهم: إلى متى سيظل العالم يتعامل مع الأزمة اليمنية كملف إغاثي بارد، متجاهلًا أن الإمارات هي المحرك الرئيس خلف سياسة التجويع؟ وإذا كانت الأمم المتحدة تملك الجرأة على إصدار بيانات تحذير، فهل تملك الشجاعة لفضح الدور الإماراتي وفرض محاسبة حقيقية؟
ما لم يحدث ذلك، فإن البيان الأخير لن يكون سوى رقم جديد يُضاف إلى سلسلة تحذيرات أممية عجزت عن وقف نزيف الجوع والموت في اليمن، فيما يظل ملايين المدنيين أسرى جوع مقصود ومجاعة صنعتها أيادٍ بشرية قبل أن تكون قدرًا إلهيًا.
اقرأ أيضًا : حضرموت على صفيح ساخن.. الإمارات تشعل الفوضى وتدفع نحو الانفجار العسكري