تعيش محافظة حضرموت، شرقي اليمن، على وقع توترات متصاعدة تنذر بتحولها إلى ساحة صدام عسكري، مع تزايد التحركات الإماراتية عبر ذراعها المحلي المتمثل في “المجلس الانتقالي الجنوبي”، في مواجهة صعود الحراك القبلي والشعبي بقيادة “حلف قبائل حضرموت” المدعوم من الرياض.

وتضع هذه التطورات المحافظة الغنية بالنفط على مفترق طرق خطير قد يعيد إنتاج سيناريوهات الدم والاقتتال التي عرفتها محافظات جنوبية أخرى منذ تدخل أبوظبي في المشهد اليمني.

تصاعد التوتر: بين النفوذ الإماراتي والرفض القبلي

منذ سنوات، سعت الإمارات إلى إحكام قبضتها على حضرموت عبر السيطرة على مفاصل حيوية، بينها مطار الريان الدولي وميناء الضبة النفطي، إضافة إلى توجيه التشكيلات العسكرية مثل “النخبة الحضرمية”. إلا أن بروز “حلف قبائل حضرموت” بقيادة عمرو بن حبريش العليي، وطرحه مشروع “قوات حماية حضرموت” لردع أي تمدد خارجي، مثّل تحدياً مباشراً لطموحات أبوظبي.

ومع بروز تشكيل جديد يحمل اسم “قوات الدعم الأمني” في المكلا والشحر، بدعم إماراتي مباشر، ارتفعت حدة التوتر بشكل غير مسبوق، إذ ينظر إليه على أنه محاولة لخلق ذراع موازية لقوات الحلف القبلي، في خطوة تهدد بتفجير الصراع المسلح في شوارع حضرموت ومدنها الساحلية.

حضور أبوظبي العسكري: إدارة صراع لا حلول

وفق محللين، فإن سياسة الإمارات في حضرموت لا تخرج عن إطار “إدارة الفوضى” بما يضمن استمرار نفوذها في الموانئ وخطوط النفط. الكاتب اليمني عبدالله الهندي يرى أن التشكيلات الجديدة ليست سوى إعادة تدوير للفصائل المسلحة، وتغيير مسمياتها لإضفاء شرعية شكلية عليها، بينما تبقى وظيفتها الأساسية تكريس الانقسام القبلي والسياسي.

من جهته، يؤكد الكاتب ياسين التميمي أن “المجلس الانتقالي” يستند في تحركاته إلى دعم إماراتي إقليمي واسع، مشيراً إلى أن استدعاء شخصية مثل “أبو علي الحضرمي” – المعروف بصلاته السابقة مع إيران وحزب الله – لقيادة “قوات الدعم الأمني” يعكس أن المعركة لم تعد سياسية بل باتت عسكرية بامتياز، حيث يسعى الانتقالي إلى تحويل “النخبة الحضرمية” من قوة أمنية إلى ميليشيا مسلحة.

الشرارة المحتملة: مطار الريان وميناء الضبة

تشير المعطيات الميدانية إلى أن مطار الريان قد يكون بؤرة الانفجار الأولى، بعدما وصلت قوات “حماية حضرموت” إلى محيطه، في وقت تحتفظ فيه الإمارات بغرفة عمليات عسكرية داخله منذ سنوات. كما يظل ميناء الضبة النفطي على بحر العرب نقطة صراع مفتوحة، كونه يمثل شرياناً استراتيجياً لتصدير النفط، والسيطرة عليه تعني التحكم بالقرار الاقتصادي في المحافظة.

ويخشى مراقبون من أن أي اشتباك حول هذه المرافق الحساسة قد يتحول إلى مواجهة واسعة النطاق، خصوصاً أن كلا الطرفين يلوّح بالسلاح، في ظل غياب أي دور فاعل للدولة اليمنية الرسمية.

الفوضى المصطنعة: أدوات أبوظبي للهيمنة

منذ 2016، عملت الإمارات على هندسة المشهد العسكري في حضرموت عبر “النخبة الحضرمية”، لكنها اليوم تعيد إنتاج أدواتها بتشكيلات جديدة. ويصفها معارضون بأنها سياسة منهجية لتفكيك المجتمع الحضرمي عبر إغراقه بالميليشيات، وإضعاف مؤسسات الدولة الشرعية، بما يضمن بقاء القرار الأمني والعسكري بيد أبوظبي.

وقد سبق لزعيم حلف قبائل حضرموت، عمرو بن حبريش، أن اتهم الإمارات علناً في بيان أكتوبر 2023 بأنها “تفرض أجندات خاصة على المجتمع الحضرمي بالمال والسلاح، وتغلق مطار الريان وتمنع الصيادين من أعمالهم”. وحذر حينها من أن هذه السياسات تنذر بـ”كوارث وصراعات داخلية”.

الاحتقان الشعبي: الغليان المعيشي وقمع التظاهرات

الأوضاع المعيشية المتردية أضافت بُعداً آخر للأزمة، حيث شهدت حضرموت أواخر يوليو ومطلع أغسطس احتجاجات واسعة ضد انهيار الخدمات وارتفاع الأسعار. لكن الرد الأمني كان قاسياً، إذ استخدمت القوات الموالية للإمارات القوة المفرطة، ما أدى إلى مقتل متظاهر وإصابة آخرين. هذا القمع أجج الغضب الشعبي وزاد القناعة بأن الوجود الإماراتي ليس سوى أداة لإدامة الأزمات ونهب الثروات.

حسابات إقليمية: صراع سعودي–إماراتي بغطاء محلي

خلف هذا المشهد، يبرز صراع النفوذ بين السعودية والإمارات. ففي حين تدعم أبوظبي المجلس الانتقالي وتشكيلاته المسلحة، تساند الرياض حلف قبائل حضرموت وتدفع باتجاه تمكينه. وهو ما يجعل المحافظة ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، على حساب الاستقرار المحلي.

التميمي يرى أن “الفلتان السياسي” لدى القوتين الإقليميتين هو ما يجعل حضرموت اليوم على “صفيح ساخن”، محذراً من أن الأمور قد تنتقل من حرب التصريحات إلى حرب الميليشيات في أي لحظة.

السيناريوهات المقبلة: انفجار مؤجل أم ضغوط دولية؟

المؤشرات الحالية ترجح أن الأمور تتجه نحو التصعيد العسكري، خاصة مع الخطاب المتشدد لأبو علي الحضرمي، وإصرار الانتقالي على السيطرة الكاملة على حضرموت باعتبارها آخر “الجواهر الاستراتيجية” التي لم تخضع له بعد. لكن في المقابل، هناك من يرى أن الضغوط الإقليمية والدولية قد تفرمل الانفجار، خشية تأثيره على صادرات النفط والملاحة البحرية في بحر العرب.

ومع ذلك، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات خطيرة، خصوصاً إذا انزلقت الأوضاع في المكلا أو الضبة إلى مواجهات دامية.

خلاصة

حضرموت اليوم تقف أمام مفترق طرق مصيري: إما أن تبقى رهينة لمعادلة النفوذ الإماراتي – السعودي التي تعيد إنتاج الفوضى والاقتتال، أو أن تتمكن القوى المحلية من فرض معادلة جديدة تحفظ للمحافظة حقها في إدارة مواردها بعيداً عن أجندات الخارج. غير أن المؤشرات الراهنة، مع تصاعد عسكرة المشهد، تميل إلى أن أبوظبي تسير بالمحافظة نحو دوامة دمار جديدة، تهدد ليس فقط استقرار حضرموت، بل اليمن بأكمله.

اقرأ أيضًا : واشنطن تعلق منحًا لمؤسسات إسلامية استجابة لضغوط منظمة مؤيدة للاحتلال.. حملة ممنهجة لتجريم الأصوات المنتقدة لإسرائيل