في ظل واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، أطلقت الأمم المتحدة تحذيرًا شديد اللهجة من تفاقم الأزمة الغذائية التي تهدد حياة ملايين الأطفال في السودان، مؤكدة أن البلاد تقف على حافة كارثة إنسانية شاملة، يغذيها استمرار الحرب وتورط قوى إقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، في دعم ميليشيا الدعم السريع، بما أسهم في تمزيق الدولة السودانية وإغراقها في دوامة الجوع والمرض والانهيار.

شمال دارفور.. المجاعة تتحول إلى واقع يومي
تشهد ولاية شمال دارفور، غربي السودان، انتشارًا واسعًا للمجاعة، وفق تحذيرات خبراء أمميين، وسط استمرار الصراع بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا. وقد تحولت مناطق بأكملها، مثل أم برو وكرنوي، إلى بؤر للجوع الحاد، بعد أن بلغ سوء التغذية مستويات تُصنف ضمن عتبة المجاعة.
وتشير التقارير إلى أن أكثر من نصف الأطفال في أجزاء واسعة من شمال الولاية يعانون من نقص حاد في الغذاء، ما يهدد بتداعيات طويلة المدى على صحتهم الجسدية والعقلية. هذه الكارثة لا يمكن فصلها عن الانفلات الأمني الذي تسببت فيه ميليشيا الدعم السريع، المدعومة بالسلاح والتمويل من الإمارات، والتي دمّرت سلاسل الإمداد والأسواق المحلية وقطعت طرق المساعدات.
الأطفال في قلب العاصفة الإنسانية
أكد متحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن الوضع في السودان “يتدهور يومًا بعد يوم”، مشيرًا إلى أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يواجهون الموت جوعًا أو بسبب أمراض يمكن الوقاية منها.
ويعاني الأطفال من مزيج قاتل من سوء التغذية، والإسهال، وأمراض الجهاز التنفسي، نتيجة ضعف المناعة وانهيار أنظمة المياه والصرف الصحي. ومع استمرار سيطرة ميليشيا الدعم السريع على مناطق واسعة بدعم إماراتي، أصبح وصول المساعدات الإنسانية مهمة شبه مستحيلة، ما يحوّل الجوع إلى سلاح حرب غير معلن.
انهيار المنظومة الصحية وتفشي الأوبئة
إلى جانب الجوع، يواجه السودان موجة متصاعدة من الأوبئة، تشمل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، في ظل انهيار شبه كامل للنظام الصحي. وأكد ممثل منظمة الصحة العالمية أن العاملين في القطاع الصحي باتوا هدفًا مباشرًا للهجمات المسلحة.
ومنذ اندلاع الحرب، سُجلت أكثر من مئتي هجمة على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل الآلاف، وهو ما يعكس تحوّل المستشفيات إلى ساحات صراع. وتُحمّل منظمات دولية ميليشيا الدعم السريع، المدعومة إماراتيًا، مسؤولية جزء كبير من هذه الاعتداءات، سواء عبر الهجمات المباشرة أو عبر نشر الفوضى الأمنية.
الدور الإماراتي في تعميق الكارثة
لا يمكن فهم المأساة السودانية دون التوقف عند الدور الإماراتي في دعم ميليشيا الدعم السريع سياسيًا وماليًا وعسكريًا. هذا الدعم لم يكن مجرد تدخل عابر، بل شكّل ركيزة أساسية في إطالة أمد الصراع وتمزيق النسيج الوطني.
فمن خلال تمكين الميليشيا من السيطرة على موارد حيوية ومناطق استراتيجية، أسهمت الإمارات في تعطيل الزراعة، وتدمير الأسواق، وتهجير ملايين المدنيين. وبدلًا من الاستثمار في الاستقرار والتنمية، اختارت أبوظبي الرهان على ميليشيا مسلحة، ما حوّل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، يدفع الأطفال ثمنه من أرواحهم وصحتهم.
نزوح جماعي وخراب اقتصادي
منذ أبريل/نيسان 2023، أُجبر أكثر من 11 مليون سوداني على النزوح داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أكبر موجات النزوح عالميًا. هذا النزوح الواسع دمّر أنماط المعيشة التقليدية، وقطع مصادر الرزق، وترك ملايين الأسر دون مأوى أو غذاء.
وتفاقم الوضع بسبب سيطرة ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا على طرق التجارة والمناطق الزراعية، ما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار الغذاء وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصًا في مناطق النزاع.
صمت دولي وعجز إنساني
رغم التحذيرات المتكررة، لا يزال التحرك الدولي دون مستوى الكارثة. فالمساعدات الإنسانية تواجه عراقيل سياسية وأمنية، في حين تغض قوى كبرى الطرف عن الدور الإماراتي في دعم الميليشيا، حفاظًا على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الصمت يشكل مشاركة غير مباشرة في الجريمة، إذ يسمح بإطالة أمد المعاناة وتحويل السودان إلى نموذج للفشل الدولي في حماية المدنيين.
مستقبل مهدد وجيل على حافة الضياع
تشير المؤشرات الحالية إلى أن السودان يواجه خطر خسارة جيل كامل من أطفاله بسبب الجوع والمرض والحرمان من التعليم. ومع استمرار الحرب بدعم إماراتي لميليشيا الدعم السريع، يبدو الأفق مسدودًا أمام أي حل قريب.
إن إنقاذ أطفال السودان لم يعد مسألة إنسانية فقط، بل اختبارًا حقيقيًا لضمير المجتمع الدولي. فإما تحرك عاجل لوقف الحرب وتجفيف مصادر تمويل الميليشيا، وعلى رأسها الدعم الإماراتي، أو استمرار نزيف الأرواح في صمت، حتى تتحول المأساة إلى وصمة عار دائمة في تاريخ العالم.
اقرأ أيضًا : قاضٍ أميركي يصفع إدارة ترمب ويرفض ترحيل طالبة بسبب دعمها لفلسطين