في خطوة تحمل أبعادًا قانونية وسياسية عميقة، رفض قاضٍ أميركي مساعي إدارة الرئيس دونالد ترمب لترحيل طالبة دكتوراه بسبب مواقفها المؤيدة لفلسطين، في قضية كشفت مجددًا عن استخدام ملف الهجرة كسلاح سياسي لقمع حرية التعبير داخل الجامعات الأميركية، وخاصة حين يتعلق الأمر بانتقاد الاحتلال الإسرائيلي وسياسات واشنطن الداعمة له.

القضية التي شغلت الرأي العام الأميركي والدولي خلال الأشهر الماضية، تعكس بوضوح تصاعد النزعة السلطوية داخل الإدارة الأميركية، ومحاولاتها المتكررة لإسكات الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين، عبر الترهيب القانوني والاعتقال والترحيل.

اعتقال سياسي بثوب قانوني

تعود فصول القضية إلى مارس/آذار 2025، حين اعتقلت سلطات الهجرة الأميركية الطالبة التركية رميساء أوزتورك في أحد شوارع ولاية ماساتشوستس، بعد أن ألغت وزارة الخارجية تأشيرة دراستها بشكل مفاجئ. وجاء الاعتقال ضمن حملة موسعة استهدفت نشطاء وطلابًا وأكاديميين عبّروا عن تضامنهم مع غزة، وشاركوا في الحراك الطلابي ضد الحرب الإسرائيلية.

السلطات بررت قرارها بزعم أن أوزتورك “تشكل خطرًا” على الأمن، غير أن التحقيقات كشفت لاحقًا أن السبب الوحيد لإلغاء تأشيرتها كان مشاركتها في كتابة مقال طلابي ينتقد موقف جامعة تافتس من العدوان على غزة، ويطالب بإدانة جرائم الاحتلال.

هذا التناقض بين الخطاب الأمني والواقع السياسي يؤكد أن القضية لم تكن سوى محاولة انتقامية لإسكات صوت أكاديمي حر، لا أكثر.

قرار قضائي يفضح الرواية الرسمية

في 29 يناير/كانون الثاني، خلص قاضي الهجرة إلى أن وزارة الأمن الداخلي فشلت في تقديم أي دليل قانوني يبرر ترحيل أوزتورك، وقرر إنهاء الإجراءات ضدها بالكامل. وأكد القاضي أن ما جرى لا يستند إلى أساس قانوني، بل يعكس استغلالًا سياسيًا لصلاحيات الهجرة.

كما عرض محامو الطالبة، بدعم من الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، تفاصيل القرار أمام محكمة الاستئناف في نيويورك، مؤكدين أن القضية تمثل سابقة خطيرة في التعامل مع حرية التعبير داخل المؤسسات التعليمية.

هذا القرار لم يكن مجرد انتصار فردي، بل صفعة قانونية مباشرة لإدارة ترمب، التي حاولت توظيف القضاء لخدمة أجندتها السياسية المؤيدة لإسرائيل.

45 يومًا من العقاب خارج القانون

خلال فترة احتجازها، قضت أوزتورك 45 يومًا في مركز احتجاز للمهاجرين في ولاية لويزيانا، في ظروف وصفتها منظمات حقوقية بأنها “قاسية وغير إنسانية”. وجرى تداول فيديو لاعتقالها في ضاحية سومرفيل بمدينة بوسطن، أظهر عناصر الأمن وهم يطوقونها بطريقة صادمة، ما أثار موجة استنكار واسعة.

وفي مايو/أيار، أمر قاضٍ اتحادي في فيرمونت بالإفراج عنها فورًا، معتبرًا أن احتجازها يمثل “انتقامًا غير قانوني” وانتهاكًا مباشرًا لحرية الرأي المكفولة بالدستور.

لاحقًا، أصدر قاضٍ في بوسطن حكمًا يؤكد أن الإدارة الأميركية انتهجت “سياسة غير قانونية” تستهدف الأكاديميين غير المواطنين بسبب آرائهم السياسية، وهو ما دفع وزارة العدل إلى الطعن في القرار.

خطاب أمني لتبرير القمع

رغم هذه الأحكام، لم تتراجع وزارة الأمن الداخلي عن خطابها التحريضي. فقد صرّح متحدث باسمها أن الوزيرة كريستي نويم تعتبر أن “الاحتماء بالتعديل الأول لا يبرر دعم الإرهاب”، في إشارة واضحة إلى خلط متعمد بين التضامن مع فلسطين ودعم العنف.

هذا الخطاب يعكس سياسة ممنهجة لتجريم أي انتقاد لإسرائيل، وتصويره كتهديد للأمن القومي، وهو أسلوب بات مألوفًا في إدارة ترمب، التي ربطت منذ سنوات بين معاداة الاحتلال ومعاداة “القيم الأميركية”.

الجامعات تحت الحصار السياسي

قضية أوزتورك تسلط الضوء على التحول الخطير داخل الجامعات الأميركية، التي أصبحت ساحة مواجهة بين الطلاب والسلطة، بدل أن تكون فضاءً حرًا للنقاش والمعرفة. فبدل حماية طلابها، رضخت بعض الإدارات لضغوط سياسية ومالية، وشاركت بشكل غير مباشر في قمع الأصوات المنتقدة لإسرائيل.

وتخشى أوساط أكاديمية أن تؤدي هذه السياسات إلى خلق مناخ من الخوف، يمنع الباحثين والطلاب من التعبير عن آرائهم، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

دعم مطلق للاحتلال وتكميم للأفواه

لا يمكن فصل ما جرى لأوزتورك عن السياق الأوسع لسياسة ترمب تجاه الشرق الأوسط، والتي اتسمت بدعم غير مشروط لإسرائيل، وتجاهل كامل للجرائم المرتكبة في غزة. ففي ظل هذا الدعم، بات أي صوت متضامن مع الفلسطينيين يُنظر إليه باعتباره تهديدًا سياسيًا.

إدارة ترمب لم تكتفِ بتوفير الغطاء الدبلوماسي والعسكري للاحتلال، بل سعت أيضًا إلى إسكات معارضيه داخل الولايات المتحدة، مستخدمة أدوات قانونية وأمنية لتكميم الأفواه.

قضية فردية تكشف أزمة نظام

في بيان لها، قالت أوزتورك إنها “تتنفس الصعداء” بعد القرار القضائي، معربة عن أملها في أن تمنح قضيتها الأمل لضحايا الظلم. غير أن القضية، رغم نهايتها الإيجابية نسبيًا، تكشف خللًا عميقًا في النظام الأميركي، حين يتحول القانون إلى أداة قمع بدل أن يكون وسيلة عدالة.

ورغم أن الحكم قابل للطعن، فإنه يشكل محطة مهمة في مواجهة تغوّل السلطة التنفيذية، ورسالة واضحة بأن التضامن مع فلسطين ليس جريمة، وأن الدفاع عن العدالة لا يجب أن يُعاقب عليه.

في النهاية، تظل قضية رميساء أوزتورك شاهدًا على مرحلة سياسية حاولت فيها إدارة ترمب فرض الصمت بالقوة، لكنها اصطدمت — ولو مؤقتًا — بجدار القضاء وضمير العدالة.

اقرأ أيضًا : بعد ثلاثة أشهر من الإخفاء القسري.. زوجة جاسم الشامسي تطالب بكشف مصيره في سوريا