في ظل تزايد التحديات المناخية والتطوير العمراني غير المخطط له، حذر العالم المصري المعروف عصام حجي من أن الوقت ينفذ لإنقاذ مدينة الإسكندرية وغيرها من المدن الساحلية التي تعاني من انهيار البنية التحتية وتآكل التراث الحضاري.
ففي دراسة علمية نُشرت مؤخراً في مجلة Earth’s Future الدولية المتخصصة في الدراسات المناخية، أشار الباحث إلى أن معدلات انهيار المباني الساحلية شهدت ارتفاعاً حاداً؛ إذ ارتفعت من حالة واحدة سنوياً إلى 40 حالة خلال العقد الأخير، ما يدل على تفاقم الأزمة التي تهدد ليس فقط البنية التحتية، بل تمتد لتشمل الاختفاء التدريجي لمدن ذات قيمة تاريخية كبيرة.

تحذيرات حجي
تستند الدراسة التي قادها عصام حجي إلى بيانات دقيقة وتحليلات متعمقة توضح أن أسباب هذا الانهيار متعددة الأبعاد؛ إذ يعتبر تآكل السواحل وارتفاع مستوى سطح البحر في الأربعين عاماً الماضية من العوامل الرئيسية التي أدت إلى ضعف الأساسات وتسارع انهيار المباني.
وفي منشور له على فيس بوك، أوضح حجي: «توصلت دراستنا العلمية المنشورة اليوم في مجلة Earth’s Future الدولية المتخصصة في الدراسات المناخية إلى زيادة كبيرة في انهيار المباني الساحلية بمدينة الإسكندرية خلال العقدين الماضيين».
وأكد أن التطوير غير الفعال للشريط الساحلي وزيادة الكثافة العمرانية ساهمت بشكل مباشر في تسريع عملية تسلل مياه البحر إلى طبقات المياه الجوفية، مما رفع مستوياتها حتى تصل إلى الأساسات وتضعفها بالتآكل.
تشير الدراسة إلى أن أكثر من 7000 مبنى معرض حالياً للخطر، حيث زادت معدلات سقوط المباني من عقار واحد سنوياً إلى أكثر من 40 عقاراً، مع تركيز ملحوظ على المناطق التاريخية مثل حي وسط وغرب الإسكندرية، إذ تُظهر الخرائط التحذيرية المناطق الأكثر تهديداً.
ويعد هذا التطور مؤشراً واضحاً على أن الأزمة لا تقتصر على فقدان البنية التحتية فقط، بل تحمل في طياتها خطر الاختفاء التدريجي للهوية التاريخية والثقافية لمدينة عريقة مثل الإسكندرية.
يرى عصام حجي أن الحلول المقترحة لمواجهة هذه الأزمة ليست معقدة أو مكلفة، بل تعتمد على أساليب بيئية طبيعية ومستدامة.
فالحل يكمن في بناء الكثبان الرملية وتنفيذ الحواجز النباتية على طول الساحل، ما يساعد في حماية الشريط الساحلي من تآكل الأمواج وارتفاع مستويات المياه.
وتؤكد هذه الاستراتيجية، التي تُعتبر صديقة للبيئة وغير مكلفة، قدرتها على تقليل معدلات تسلل المياه وتخفيف الضغط عن الأساسات المتضررة، مما يحد من انهيار المباني ويساهم في الحفاظ على التراث العمراني.
السيسي يبني القصور
وفي ظل هذه التحذيرات العلمية، يبرز التناقض المريع في سياسات التنمية العمرانية بمصر، ففي وقت تُنفق فيه ملايين الجنيهات على مشاريع العاصمة الإدارية الجديدة والقصور الفخمة التي تُظهر تبايناً صارخاً مع ما تعانيه المدن الساحلية، تصبح مسألة إنقاذ الإسكندرية أولوية وطنية ملحة.
إذ أن استثمار الأموال العامة في مشاريع ترفيهية وكبيرة بينما تُهمل البنية التحتية للمدن التاريخية، يمثل إهداراً غير مبرر للموارد، ويزيد من تفاقم المشاكل البيئية والعمرانية التي لا يمكن تجاهلها.
يتهم النقاد سياسات السيسي بتركيزها على المشاريع الباهظة الثمن التي لا تحقق فائدة مباشرة للمواطنين، بينما تُعاني المدن الساحلية من تدهور متواصل يهدد سلامة البنية التحتية.
وقد أشار البعض إلى أن تلك السياسات تساهم في خلق فجوة بين ما يُبنى من مشاريع فخمة وما يُعاني منه المواطن العادي في المدن التقليدية، مما يعكس توجهات خاطئة في توزيع الأولويات الوطنية.
إن الإنفاق الضخم على العاصمة الإدارية والقصور يبدو في ظل هذا السياق بمثابة استثمار في صورة زائفة لا تتماشى مع الاحتياجات الحقيقية للشعب.
حلول للأزمة
وفي المقابل، يؤكد البحث العلمي الذي قاده عصام حجي أن الحلول المستدامة لإعادة تأهيل الساحل ليست بعيدة عن المتناول، إذ يمكن للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، مثل مصر وليبيا وتونس وغيرها، تبني نموذجاً يعتمد على استراتيجيات تكيف طبيعية منخفضة التكلفة، تعزز من مرونة البنية التحتية وتحد من تأثيرات تغير المناخ.
إن هذا النموذج، المبني على أسس بيئية سليمة، يُعد بديلاً عملياً يحقق توازناً بين التطوير العمراني والحفاظ على التراث التاريخي.
وقد تميزت الدراسة بتعاون دولي علمي بين باحثين من ألمانيا والولايات المتحدة وهولندا وتونس ومصر، بمساهمة مالية من جامعة كاليفورنيا ووكالة ناسا الأمريكية ومؤسسة فون هومبولت الألمانية، مما يبرز الأهمية العالمية للمشكلة.
هذا التعاون يعكس مدى ترابط تحديات التغير المناخي والانهيار العمراني بين مختلف الدول، ويؤكد ضرورة اتخاذ خطوات جماعية تضمن حماية المدن الساحلية من الكوارث المستقبلية.
إن ما تطرحه الدراسة لا يقتصر على كونه مجرد تحليل علمي، بل يُشكل دعوة للتحرك الفوري وإعادة النظر في السياسات التنموية التي تتبعها الدولة.
وفي ظل التحديات البيئية التي تزداد يوماً بعد يوم، لا يمكن للدولة أن تواصل إهدار الأموال على مشاريع ترفيهية وهندسية دون النظر في المصير الوشيك للبنية التحتية الحيوية في المدن الساحلية.
إن مستقبل الإسكندرية وغيره من المدن التاريخية يعتمد على اتخاذ إجراءات عملية تستند إلى العلم والحلول الطبيعية المستدامة.
اقرأ أيضًا : عودة طلاب غزة للمدارس.. شعب لا يعرف الانكسار