مع ساعات صباح يوم الاثنين، انطلقت شرارة الإضراب العالمي الشامل تضامناً مع قطاع غزة، في لحظة فارقة من لحظات الغضب الشعبي العربي والدولي ضد العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ أكثر من ستة أشهر.

جاء الإضراب كصرخة جماعية ضد المجازر اليومية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي، مستهدفاً الأطفال والنساء والمدنيين تحت سمع العالم وبصره. 

الإضراب الذي دعت إليه قوى شعبية ووطنية، اتخذ بعداً غير مسبوق من حيث اتساع رقعته الجغرافية وتنوع الجهات المشاركة فيه، وسط دعوات واسعة للتظاهر والتصعيد الشعبي.

امتداد عربي رسمي وشعبي.. وتصاعد في رمزية الإضراب

ما يميز إضراب اليوم هو اتساع رقعته لتشمل دولاً عربية عديدة، من بينها الأردن، ومصر، وتونس، والمغرب، والكويت، حيث أعلنت النقابات المهنية والهيئات التعليمية والتجارية التزامها الكامل بالإضراب، في تعبير واضح عن احتضان الشارع العربي للقضية الفلسطينية، ورفضه القاطع للمجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.

وفي الأراضي الفلسطينية، اتخذ الإضراب طابعاً رسمياً في الضفة الغربية والقدس المحتلة، حيث أعلنت وزارة التربية الفلسطينية تعطيل المدارس، وتوقفت الدوائر الرسمية عن العمل، في رسالة سياسية موجهة للاحتلال ومجتمع الدول الغربية، مفادها أن الشعب الفلسطيني ومؤسساته الرسمية يقفون صفاً واحداً في وجه العدوان.

اللافت أن الدعوات في دول عربية كمصر والأردن كانت واضحة في التفريق بين الإضراب المدني العام وبين العصيان المدني ضد الحكومات، مما يعكس وعياً سياسياً في توجيه البوصلة نحو الاحتلال الإسرائيلي لا غيره. 

وفي الوقت ذاته، شهدت الساعات الأولى من هذا اليوم انتشاراً واسعاً لدعوات التظاهر أمام السفارات الإسرائيلية والغربية، تعبيراً عن الرفض الشعبي للدعم الغربي المفتوح للمجازر الإسرائيلية، لا سيما الدعم الأمريكي العسكري والسياسي.

انتفاضة شعبية عالمية تتبلور.. وتصاعد الغضب الأوروبي والأمريكي

في مشهد غير مسبوق، تتجه الأنظار نحو عواصم أوروبا والولايات المتحدة، حيث من المتوقع أن تنضم فعاليات شعبية ضخمة إلى الإضراب العالمي خلال الساعات القادمة، وسط استعدادات لتظاهرات أمام مقرات حكومية وسفارات إسرائيلية وغربية.

في الأيام الماضية، شهدت عواصم أوروبية كبرى من بينها لندن، وبرلين، ومدريد، وباريس، تظاهرات حاشدة تندد بالإبادة في غزة، وتصف ما يحدث بأنه أبشع أنواع التمييز العنصري في التاريخ الحديث.

المتظاهرون رفعوا شعارات تطالب بمحاكمة قادة الاحتلال كمجرمي حرب، داعين حكوماتهم إلى وقف التواطؤ مع آلة القتل الإسرائيلية.

وفي الولايات المتحدة، بدأ الغضب الشعبي يتصاعد ضد إدارة بايدن، التي يُنظر إليها بوصفها الراعي الأول للعدوان على غزة. الجامعات الأمريكية شهدت احتجاجات طلابية متواصلة، وارتفعت الأصوات المطالبة بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، وسط حراك متنامٍ على شبكات التواصل الاجتماعي لدعم الإضراب العالمي والدعوة لمقاطعة الشركات المتورطة في دعم الاحتلال.

من الإضراب إلى الانتفاضة.. الشعب الفلسطيني يقود معركة الصمود

الإضراب اليوم لا يقف عند حد التضامن الرمزي، بل يعكس تطوراً في أدوات المواجهة الشعبية العالمية مع الاحتلال. ومع دعوات لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية في غزة، لفعاليات حقيقية وفاعلة، يظهر أن هذا الإضراب ليس إلا بداية لسلسلة من التحركات الشعبية التي قد تتطور إلى انتفاضة عالمية ضد الاحتلال ونظام الفصل العنصري الذي يمثله.

البيان الصادر عن القوى الوطنية في غزة حمل نبرة عالية، واصفاً ما يجري بأنه “جريمة إبادة جماعية” تستدعي الاستنفار الكامل للأمة العربية والإسلامية، ولكل أحرار العالم. 

الرسالة التي جاءت على “لسان كل طفل ذبيح، وكل امرأة مكلومة، وكل شيخ مقهور”، ليست مجرد خطاب عاطفي، بل تعبير عن حالة الغليان الشعبي الفلسطيني الذي يزداد عزماً على مواصلة المواجهة رغم الفقر والحصار والدمار.

وبات من الواضح أن الاحتلال يواجه ليس فقط مقاومة عسكرية في غزة، بل أيضاً مقاومة شعبية عالمية آخذة في التصاعد. 

فكل محل تجاري أغلق اليوم، وكل تظاهرة خرجت، وكل مدرسة أضربت، هي جزء من معركة أوسع ضد نظام القتل والاستيطان والإرهاب الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي.

هل يتحول الإضراب إلى انتفاضة شعبية شاملة؟

الإضراب العالمي اليوم يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة، حيث باتت الشعوب هي من تقود معركة الكرامة بعد أن خذلتها الأنظمة الرسمية. 

وإذا ما تواصلت هذه التحركات وتطورت إلى مظاهرات متكررة وإضرابات دورية، فقد نشهد خلال الأيام المقبلة ملامح انتفاضة شعبية عالمية ضد الاحتلال، تشبه في رمزيتها انتفاضة جنوب إفريقيا ضد الأبارتهايد، أو مقاطعة العالم لنظام الفصل العنصري.

لقد أثبتت غزة مجدداً أنها قادرة، بصمودها وتضحياتها، على أن تحرك ضمير العالم. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول هذه الموجة إلى قوة ضغط حقيقية تُجبر الحكومات على كسر الصمت؟ أم أن النظام الدولي سيظل أسيراً لمعادلات المصالح والدعم الأمريكي للاحتلال؟

اقرأ أيضًا : برهامي يفتي لعيون “كامب ديفيد”.. هل تحوّل فقه الدعوة السلفية إلى غطاء ديني للتطبيع؟