كشف تحقيق دولي جديد أن الإمارات لعبت دوراً محورياً في نقل برنامج التجسس الإسرائيلي «بيغاسوس» إلى أجهزة أمنية في دول حليفة، بما ساهم في توسيع استخدام تقنيات المراقبة الرقمية ضد صحفيين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان وشخصيات سياسية داخل المنطقة وخارجها.
واستند التحقيق، الذي شاركت فيه 14 مؤسسة إعلامية بقيادة منظمة «فوربيدن ستوريز» وبدعم تقني من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، إلى شهادة مسؤول سابق في جهاز الاستخبارات الداخلية المغربي، ووثائق مسربة وسجلات استهداف وتحليلات جنائية رقمية.
برنامج إسرائيلي بتمويل إماراتي
بحسب شهادة المسؤول الاستخباراتي المغربي السابق، الذي استخدم اسماً مستعاراً هو «سفير»، حصلت الأجهزة المغربية على «بيغاسوس» عام 2017 بعد عرض تقني قدمه ممثلون عن شركة «إن إس أو» الإسرائيلية داخل مقر مرتبط بشركة تتعامل مع وسيط إماراتي في مجال تقنيات المراقبة.
وقال المصدر إن الإمارات تكفلت بشراء النظام ثم أتاحته لأجهزة أمنية في دول حليفة، بدلاً من قيام كل دولة بشرائه بصورة مستقلة. وتظل هذه الجزئية مستندة أساساً إلى شهادة المصدر الاستخباراتي التي قال التحقيق إنها مدعومة بوثائق وتسريبات وشهادات أخرى، وليست إقراراً رسمياً صادراً عن أبوظبي.
ولا يقدم التحقيق الإمارات باعتبارها مستخدماً منفرداً للتكنولوجيا الإسرائيلية فحسب، بل بوصفها وسيطاً إقليمياً ساعد على نقلها إلى أجهزة أمن أخرى، ما منح أبوظبي دوراً أوسع في بناء شبكة مراقبة عابرة للحدود.
اختراق كامل للهواتف
يمنح «بيغاسوس» الجهة المشغلة قدرة شبه كاملة على السيطرة على الهاتف المستهدف، بما يشمل الاطلاع على الرسائل والصور والملفات وسجل الاتصالات والموقع الجغرافي، إلى جانب تشغيل الكاميرا والميكروفون عن بعد.
ويمكن لبعض إصداراته اختراق الأجهزة من دون أن يضغط المستخدم على رابط أو يفتح ملفاً، عبر ما يعرف بهجمات «النقرة الصفرية»، وهو ما يجعل اكتشاف عملية التجسس أو منعها بالغ الصعوبة.
وبحسب شهادة «سفير»، أظهر ممثلو الشركة الإسرائيلية خلال العرض التجريبي قدرتهم على اختراق هواتف وتشغيل الكاميرات والميكروفونات والوصول إلى محتوياتها عن بعد، ما دفع الأجهزة المغربية إلى التعامل معه باعتباره أداة استخباراتية ذات قدرات غير مسبوقة.
من «الأهداف المهمة» إلى الصحفيين والمعارضين
أفاد التحقيق بأن استخدام البرنامج في المغرب بدأ باستهداف شخصيات وصفتها الأجهزة الأمنية بأنها «عالية القيمة»، قبل أن تتسع دائرة المراقبة تدريجياً لتشمل صحفيين ونشطاء حقوقيين ومعارضين سياسيين.
وأظهرت البيانات التي حللها التحالف الإعلامي بدء عمليات الاستهداف في سبتمبر/أيلول 2017، من خلال اختبار البرنامج على أرقام مغربية، ثم توسيع نطاق استخدامه داخل المغرب وخارجه.
ومن بين الأسماء التي ظهرت في التحقيق الناشطة الصحراوية أميناتو حيدر، والصحفي الإسباني إغناسيو سيمبريرو، إلى جانب شخصيات ومسؤولين أوروبيين. كما سبق أن كشفت تحقيقات «مشروع بيغاسوس» عن استهداف عشرات الصحفيين والنشطاء في دول متعددة.
أكثر من 200 رقم إسباني
امتدت عمليات الاستهداف، وفق التحقيق، إلى أكثر من 200 رقم هاتف إسباني ارتبطت بمشغّل يعتقد أنه مغربي.
وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت عام 2022 إصابة هاتفي رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزيرة الدفاع مارغريتا روبليس ببرنامج «بيغاسوس»، كما تعرضت هواتف مسؤولين آخرين للاختراق خلال فترة توتر دبلوماسي مع المغرب.
ولم تقتصر قوائم الاستهداف على مسؤولين سياسيين، بل شملت أيضاً أفراداً في الحرس المدني الإسباني شاركوا في برامج تعاون أمني مع المغرب، ما أثار تساؤلات بشأن استخدام أدوات التجسس ضد أجهزة وشخصيات تنتمي إلى دول حليفة.
إسرائيل تعرقل التحقيقات
واجه القضاء الإسباني صعوبات في استكمال التحقيقات الخاصة باختراق هواتف المسؤولين، بسبب عدم تجاوب السلطات الإسرائيلية مع طلبات الحصول على معلومات واستجواب مسؤولين في شركة «إن إس أو».
وأدى غياب التعاون الإسرائيلي إلى تعليق التحقيق أكثر من مرة، في مؤشر على الحماية السياسية والقانونية التي تحيط بصناعة تقنيات التجسس الإسرائيلية، رغم استخدامها في قضايا تمس سيادة دول وخصوصية مسؤولين وصحفيين.
سجل إماراتي سابق في التجسس
لا تعد هذه المرة الأولى التي يرتبط فيها اسم الإمارات ببرنامج «بيغاسوس». فقد كشفت تحقيقات سابقة عن ارتباط أبوظبي باختيار مئات الأرقام البريطانية كأهداف محتملة للمراقبة، من بينها سياسيون وصحفيون ومحامون وشخصيات مرتبطة بالأميرة هيا بنت الحسين والأميرة لطيفة بنت محمد.
كما أظهرت تحقيقات «مشروع بيغاسوس» أن الإمارات كانت من بين الدول التي استخدمت البرنامج الإسرائيلي، وأن أدوات التجسس طاولت صحفيين ومعارضين وشخصيات سياسية في أكثر من دولة. إلا أن إدراج رقم داخل قاعدة بيانات لا يعني، بمفرده، أن الهاتف تعرض للاختراق فعلياً، ما لم تدعم ذلك أدلة فنية جنائية.
تطبيع أمني يتجاوز العلاقات الدبلوماسية
يكشف الدور المنسوب إلى الإمارات أن تعاونها مع إسرائيل لم يقتصر على العلاقات السياسية والتجارية العلنية، بل امتد إلى قطاع شديد الحساسية يتعلق بالأمن السيبراني ومراقبة الأفراد.
فالتكنولوجيا الإسرائيلية، التي روج لها باعتبارها أداة لمكافحة الإرهاب والجريمة، تحولت في حالات موثقة إلى وسيلة لملاحقة الصحفيين والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ما يوضح الجانب الأمني والقمعي لمسار التطبيع بين أبوظبي وتل أبيب.
ومن خلال تمويل شراء البرنامج وإتاحته لحلفاء إقليميين، وفق شهادة المصدر، تكون الإمارات قد ساهمت في دمج صناعة التجسس الإسرائيلية داخل المنظومات الأمنية العربية، ومنحت إسرائيل منفذاً أوسع إلى أسواق المنطقة وبياناتها وشبكاتها الأمنية.
«بيغاسوس» أداة لقمع عابر للحدود
أدرجت وزارة التجارة الأميركية شركة «إن إس أو» على القائمة السوداء عام 2021، معتبرة أن أنشطتها تتعارض مع مصالح الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية.
وفرضت السلطات الإسرائيلية لاحقاً قيوداً على تصدير تقنيات الأمن السيبراني إلى عدد من الدول، من بينها الإمارات والمغرب، بعد تصاعد الانتقادات الدولية بشأن إساءة استخدام هذه الأدوات.
لكن الإجراءات المتأخرة لم تنه الجدل بشأن المسؤولية عن الانتهاكات السابقة، ولا بشأن دور الدول التي اشترت التكنولوجيا ومررتها إلى أنظمة أخرى.
الإمارات كوسيط لصناعة القمع
تكمن خطورة ما كشفه التحقيق في أن الإمارات لم تعد متهمة فقط باستخدام تقنيات إسرائيلية ضد خصومها، بل بالمساهمة في توزيع هذه التقنيات وتوسيع نطاقها الإقليمي.
وبذلك يتحول التعاون الإماراتي الإسرائيلي من علاقة ثنائية إلى منظومة أمنية تخدم عدة أنظمة، وتتيح لها الوصول إلى هواتف الصحفيين والمعارضين والنشطاء، بعيداً عن الرقابة القضائية والمحاسبة العامة.
ومع استمرار غياب الشفافية ورفض الحكومات المتهمة تقديم إجابات واضحة، تظل قضية «بيغاسوس» دليلاً على أن التطبيع الأمني مع إسرائيل لم ينقل إلى المنطقة التكنولوجيا فقط، بل نقل معها أدوات أكثر تطوراً لمراقبة المجتمعات وإسكات الأصوات المعارضة.