في ظلّ اشتداد المعارك داخل السودان وتزايد الضغوط الإنسانية، وصل وفد سوداني رفيع المستوى إلى العاصمة الأميركية واشنطن، برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم، لمناقشة مقترح أميركي جديد لوقف إطلاق النار لمدة 3 أشهر، في محاولة لإنقاذ البلاد من النزيف المستمر منذ أكثر من عام ونصف. غير أن هذا التحرك الدبلوماسي يأتي في وقت تتعاظم فيه الشكوك حول استمرار دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، مما يهدد بتقويض أي جهود سلام مرتقبة.

مباحثات في واشنطن بلا مفاوضات مباشرة

أكدت مصادر دبلوماسية للجزيرة أن الوفد السوداني سيلتقي مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية لعرض رؤية الجيش لوقف الحرب، ومناقشة المقترح الأميركي الذي يدعو إلى هدنة إنسانية تمتد ثلاثة أشهر، تُمهّد لإطلاق مسار سياسي جديد. وأوضحت المصادر أن المباحثات لن تشمل أي لقاءات مباشرة مع ممثلين لقوات الدعم السريع، وأن الحوار سيبقى محصورًا بين الخرطوم وواشنطن.

وقالت وزارة الخارجية السودانية في بيان إن الزيارة جاءت تلبية لدعوة من الإدارة الأميركية، مشيرة إلى أنها تأتي في إطار الجهود المشتركة لتطوير العلاقات بين البلدين، وتعزيز التعاون الاقتصادي والإنساني، ودعم جهود السلام في السودان. وأضافت أن الحكومة السودانية متمسكة بـ”الحل الوطني الذي يحفظ سيادة البلاد ووحدتها واستقرارها”.

وفي المقابل، نفى مجلس السيادة السوداني، في بيان صدر أمس الخميس، وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين الجيش والدعم السريع في واشنطن، مؤكدًا أن “موقف الدولة ثابت وواضح تجاه أي حوار أو تسوية خارجية”، وأن أي حل يجب أن ينطلق من الداخل السوداني لا من العواصم الأجنبية.

أميركا تحشد الرباعية الدولية.. والإمارات في دائرة الاتهام

التحرك الأميركي الأخير يأتي ضمن جهود اللجنة الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، والتي تشكّلت في سبتمبر/أيلول الماضي لدفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية. لكن مراقبين يرون أن الدور الإماراتي داخل هذه اللجنة يثير تساؤلات واسعة، خاصة مع استمرار التقارير التي تتحدث عن دعم أبوظبي العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع.

ففي الوقت الذي تدعو فيه واشنطن إلى وقف القتال، تشير تقارير استخباراتية وإعلامية متقاطعة إلى أن الإمارات لا تزال تمد قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالأسلحة والطائرات المسيّرة عبر طرق تهريب تمرّ عبر تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى. هذا التناقض جعل كثيرين يشكّكون في جدية التحالف الدولي لإحلال السلام، إذ لا يمكن – كما يرى محللون – أن يكون الطرف الممول للحرب جزءًا من اللجنة التي يفترض بها إنهاؤها.

ويرى خبراء أن واشنطن تحاول موازنة علاقتها بأبوظبي دون خسارتها، لكنها في الوقت نفسه تسعى للضغط عليها لتقليص تدخلها العسكري في النزاع السوداني. غير أن فشل هذه الجهود سيعني استمرار الحرب وتوسعها نحو مناطق جديدة، بما في ذلك إقليم النيل الأزرق وشرق السودان.

الميدان يشتعل: المسيّرات والانقضاضات المتبادلة

ميدانيًا، أعلن الجيش السوداني اليوم السبت إسقاط خمس طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع كانت تستهدف مطار الخرطوم ومنشآت مدنية مجاورة. وأكد مصدر عسكري للجزيرة أن الدفاع الجوي تصدى للمسيّرات الانقضاضية، ما حال دون وقوع خسائر بشرية، لكن الانفجارات أحدثت أضرارًا في محيط المطار.

كما كشف الجيش عن هجمات مماثلة في ولايتي سنجة وسنار، حيث استهدفت مسيّرات الدعم السريع محطة كهرباء ومنشآت خدمية، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء من الولايتين.

في المقابل، نشرت قوات الدعم السريع مقاطع مصورة قالت إنها تُظهر سيطرتها على مقر إقامة والي ولاية شمال دارفور بمدينة الفاشر، مؤكدة أنها باتت على مقربة من مقر قيادة الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش. وشهدت المدينة أمس الخميس معارك ضارية شارك فيها حلفاء الجيش من الحركات المسلحة، في مواجهة أوسع موجة هجوم تشنها قوات حميدتي منذ أسابيع.

حرب تستنزف البلاد وشعبها

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023 بين الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، عجزت الوساطات الإقليمية والدولية عن تحقيق اختراق حقيقي. ومع كل جولة دبلوماسية جديدة، تزداد خريطة الدمار تعقيدًا، ويغدو الأفق السياسي أكثر انسدادًا.

وبحسب تقارير أممية، تسببت الحرب في مقتل نحو 20 ألف شخص وتشريد أكثر من 15 مليونًا، بينهم أكثر من مليون لاجئ فرّوا إلى دول الجوار. لكن دراسة أعدّتها جامعات أميركية قدّرت العدد الفعلي للضحايا بنحو 130 ألف قتيل، مشيرة إلى أن البلاد تواجه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر.

خلاصة المشهد: سلام مؤجل وحرب تُدار بالوكالة

زيارة الوفد السوداني إلى واشنطن تعكس من جهة رغبة الجيش في كسب دعم دولي لموقفه، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة الجهود الأميركية في ظل تضارب أجندات أعضاء اللجنة الرباعية. فبينما تسعى واشنطن لتثبيت وقف إطلاق النار، تواصل الإمارات – بحسب مصادر ميدانية وتقارير دولية – تغذية النزاع بالمال والسلاح تحت غطاء “دعم الاستقرار”.

وهكذا يبدو أن طريق السلام في السودان ما زال محفوفًا بالألغام السياسية والعسكرية، وأن وقف النار لن يتحقق ما لم يُكبح الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع، ويُفرض مسار وطني خالص يضع مصلحة السودان فوق كل الحسابات الإقليمية.

اقرأ أيضًا :  نفي قاطع من الخرطوم: لا مفاوضات في واشنطن مع الدعم السريع.. فهل تتبدد جهود التسوية الدولية؟