في تصريح صادم يلخص حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها السودان، كشفت مديرة قسم العمليات والمناصرة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إديم وسورنو، أن البلاد تواجه “أكبر أزمة إنسانية في العالم”، مع وجود نحو 30 مليون شخص بحاجة ماسة للمساعدات.
هذا الرقم الكارثي لا ينفصل عن جذور الأزمة، حيث لعبت التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، دورًا رئيسيًا في إطالة أمد الحرب وتعميق الانهيار.
![]()
مدينة أشباح وأمل مفقود
وسورنو، التي زارت الخرطوم مؤخرًا، وصفت ما رأته بأنه “مروع”، إذ تحولت العاصمة من مدينة نابضة بالحياة إلى “مدينة أشباح” بفعل القصف المستمر وانهيار الخدمات الأساسية. وأوضحت أن ما تحتاجه الأمم المتحدة لإغاثة السودانيين هو 55 سنتًا فقط يوميًا لكل شخص، لكنها شددت على أن إيصال هذه المساعدات يتطلب ضمانات أمنية حقيقية، ووقفًا للقتال الذي تموله وتغذيه أطراف خارجية.
الفاشر.. عاصمة محاصرة ومخيم ينهشه الجوع
لم يكن حديث المسؤولة الأممية عن الخرطوم وحدها، إذ خصّت الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بالذكر، واصفة إياها بأنها “محاصرة منذ عام كامل”، في وقت يشهد مخيم زمزم للنازحين القريب منها أوضاعًا مأساوية. المخيم، الذي يضم نحو 25 ألف نازح، بات عنوانًا لمجاعة صريحة، وفق ما أعلنته منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” في أغسطس/آب 2024.
منذ 10 مايو/أيار 2024، تدور في الفاشر معارك شرسة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط تحذيرات من أن سقوط المدينة سيعني انهيار مركز العمليات الإنسانية في ولايات دارفور الخمس. وخلال الأيام الماضية، تمكن الجيش السوداني من صد عدة هجمات متكررة لقوات الدعم السريع، لكن الخطر لا يزال قائمًا.
الإمارات.. المتهم الأكبر في إطالة الحرب
ورغم تعدد أسباب الأزمة السودانية، تشير أصابع الاتهام بوضوح إلى الدور الإماراتي في إذكاء الحرب، من خلال الدعم العسكري والمالي الواسع لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. هذا الدعم، الذي يشمل تزويد الميليشيات بالسلاح والمرتزقة والتمويل، مكّنها من السيطرة على مساحات واسعة وارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
تقرير الأمم المتحدة وتقارير استخباراتية غربية أكدت أن الإمارات كانت حلقة الوصل في استقدام مرتزقة من دول أفريقية وأميركا اللاتينية للقتال في صفوف الدعم السريع، فضلاً عن شحنات الأسلحة التي وصلت عبر طرق غير رسمية، ما أدى إلى استمرار القتال رغم الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار.
هدنة إنسانية على الورق
وسورنو نقلت دعوة وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، إلى تنفيذ هدنة إنسانية في الفاشر، لكن هذه الدعوات تصطدم على الأرض بحسابات القوى الإقليمية الداعمة لطرفي النزاع. فبينما يسعى الجيش السوداني للحفاظ على وحدة الدولة، تحاول قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا فرض واقع تقسيمي على الأرض، ما يعقّد أي مسار لوقف القتال.
أرقام صادمة ومعاناة بلا نهاية
الحرب، التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص وفق الأمم المتحدة، فيما قدّرت دراسة أعدتها جامعات أميركية العدد الفعلي للضحايا بنحو 130 ألفًا. أما على صعيد النزوح، فقد اضطر أكثر من 15 مليون شخص إلى ترك منازلهم، ليتحول السودان إلى أكبر أزمة نزوح في العالم المعاصر.
هذه الأرقام لا تشمل الانهيار شبه الكامل للبنية الصحية والتعليمية، وانتشار الأوبئة، وارتفاع معدلات الفقر والجوع إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما حذرت منه منظمة الصحة العالمية في وقت سابق، خاصة مع خطر تفشي الكوليرا في مناطق النزوح المكتظة.
المجتمع الدولي.. اهتمام متذبذب
رغم فداحة الوضع، يظل الاهتمام الدولي بالسودان متقطعًا، وغالبًا ما يخضع لحسابات سياسية. المسؤولة الأممية شددت على ضرورة استمرار التمويل الإنساني وعدم ترك السودانيين يواجهون المجاعة وحدهم، لكنها لم تُخفِ أن الوصول الإنساني لا يزال معرقلًا بفعل القتال والانفلات الأمني.
هذا الانفلات، بحسب خبراء، لن ينتهي ما لم تتوقف الدول الإقليمية عن تمويل وتسليح أطراف النزاع، وفي مقدمتها الإمارات التي تتعامل مع السودان كساحة نفوذ مفتوحة، ولو على حساب دماء ملايين المدنيين.
خاتمة: إنقاذ السودان يبدأ بوقف التدخلات
المأساة السودانية، التي باتت توصف بأنها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، لن تجد طريقها إلى الانفراج بمجرد ضخ المساعدات أو إطلاق الهدن المؤقتة، بل تبدأ بحل سياسي شامل يوقف الحرب ويعيد بناء الدولة. وأول خطوة على هذا الطريق هي وقف التدخلات الخارجية، خاصة الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، الذي حوّل النزاع إلى حرب وكالة طويلة الأمد.
حتى ذلك الحين، سيظل 30 مليون سوداني عالقين بين مطرقة الجوع وسندان الرصاص، فيما يتنافس المتدخلون على اقتسام أنقاض دولة كانت يومًا ما قلب أفريقيا النابض.
اقرأ ايضًا : قرار احتلال غزة بالكامل يثير نزاعا داخل الكونغرس الأمريكي.. تحذيرات من “كابوس لوجستي”