كشف تقرير صادم صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة خلال الحرب السودانية، موثقًا مقتل أكثر من ألف مدني على يد ميليشيا الدعم السريع أثناء سيطرتها على مخيم زمزم للنازحين قرب مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.
ويعيد هذا التقرير تسليط الضوء على الانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها المدنيون في إقليم دارفور، وسط اتهامات متزايدة لأطراف إقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، بلعب دور مباشر في تأجيج الحرب عبر دعم هذه الميليشيا سياسيًا وعسكريًا.

مجزرة داخل مخيم للنازحين
وبحسب التقرير الأممي الصادر الخميس، فإن عمليات القتل وقعت خلال الحملة التي شنتها ميليشيا الدعم السريع على مخيم زمزم بين 11 و13 أبريل/نيسان الماضي، في إطار سعيها لإحكام السيطرة على المخيم. وأوضح التقرير أن نحو ثلث الضحايا تعرضوا لعمليات إعدام خارج نطاق القانون، ما يؤكد أن ما جرى لم يكن نتيجة اشتباكات عشوائية، بل حملة قتل متعمدة استهدفت المدنيين العزّل داخل مخيم يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا للنازحين.
وأشار التقرير إلى أن الضحايا شملوا نساءً وأطفالًا وكبار سن، وأن عمليات القتل صاحبتها أعمال ترهيب واسعة، في محاولة لإخضاع السكان وبث الرعب في صفوفهم، وهو نمط متكرر في سلوك ميليشيا الدعم السريع داخل إقليم دارفور.
تحذير من جرائم حرب
وفي تعليق رسمي على التقرير، حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن القتل المتعمد للمدنيين أو للأشخاص العاجزين عن القتال قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني. ودعا إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة ومحاسبة جميع المسؤولين عن هذه الانتهاكات، مشددًا على أن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الجرائم ويغذي دوامة العنف.
ويعكس هذا التحذير قلقًا متزايدًا داخل أروقة الأمم المتحدة من تحول دارفور إلى ساحة مفتوحة لجرائم واسعة النطاق، في ظل غياب أي آلية دولية فعالة لردع الجناة أو حماية المدنيين.
استهداف الكوادر الطبية
بالتوازي مع التقرير الأممي، أعلنت شبكة أطباء السودان أرقامًا خطيرة تتعلق باستهداف القطاع الصحي، مؤكدة مقتل 234 من الكوادر الطبية وإصابة 507 آخرين منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. كما أفادت بوجود 59 من الكوادر الطبية في عداد المفقودين، إضافة إلى 73 آخرين معتقلين في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، الخاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع.
وأوضحت الشبكة أن المعتقلين يعيشون أوضاعًا بالغة السوء، في ظل انعدام المعلومات عن مصيرهم أو أوضاعهم الصحية، معتبرة أن استهداف العاملين في القطاع الطبي يشكل انتهاكًا جسيمًا للقوانين الدولية التي تكفل حماية الطواقم الطبية أثناء النزاعات المسلحة.
حصار دارفور واتساع رقعة النزوح
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه ميليشيا الدعم السريع سيطرتها على أجزاء واسعة من إقليم دارفور، مع فرض حصار خانق على مدن رئيسية، وفي مقدمتها الفاشر، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية لمئات الآلاف من المدنيين. وفي المقابل، تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث اشتباكات ضارية بين أطراف النزاع، أدت إلى موجات نزوح جديدة وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.
وتحذّر منظمات إنسانية من أن نمط العنف المستخدم في دارفور، من قتل جماعي وحصار وتجويع، يعيد إلى الأذهان سيناريو الإبادة الجماعية التي شهدها الإقليم في مطلع الألفية، مع فارق خطير يتمثل في تضاعف قدرات الميليشيا التسليحية والدعم الخارجي الذي تتلقاه.
الإمارات ودورها في إشعال الصراع
ورغم النفي المتكرر، تتزايد التقارير الحقوقية والتحقيقات الصحفية التي تشير إلى دور الإمارات في دعم ميليشيا الدعم السريع، سواء عبر الإمدادات العسكرية أو الغطاء السياسي، في إطار سعيها لتعزيز نفوذها في السودان. ويرى مراقبون أن هذا الدعم أسهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب، ومنح الميليشيا القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضد المدنيين، كما حدث في مخيم زمزم.
ويؤكد خبراء أن أي حديث عن وقف لإطلاق النار أو تسوية سياسية سيظل بلا معنى ما لم يتم وقف هذا الدعم الخارجي، ومحاسبة الجهات التي تساهم في تغذية آلة الحرب.
كارثة إنسانية بلا أفق
ومنذ اندلاع الحرب بسبب الخلاف على دمج ميليشيا الدعم السريع في المؤسسة العسكرية، قُتل عشرات الآلاف، ونزح نحو 13 مليون سوداني داخل البلاد وخارجها، في أزمة وصفتها المنظمات الدولية بأنها الأكبر في العالم حاليًا. ومع استمرار المجازر واتساع نطاق الانتهاكات، يبدو أن السودان يتجه نحو كارثة إنسانية أعمق، ما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد لوقف الجرائم، وحماية المدنيين، وتجفيف منابع الدعم التي تُبقي هذه الحرب مشتعلة.
اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجّج حرب اليمن: مليشيا الانتقالي تحت نيران المسيّرات في حضرموت