عاد التصعيد العسكري ليخيّم على شرقي اليمن، مع هجوم بطائرة مسيّرة مفخخة استهدف، الجمعة، ثكنة عسكرية تابعة لمليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي في منطقة العبر بوادي حضرموت، شمال شرقي اليمن، قرب الحدود مع السعودية.
الهجوم، الذي أسفر –بحسب الرواية الرسمية– عن إصابة جندي واحد، شكّل تطورًا أمنيًا لافتًا في محافظة ظلت لسنوات بعيدة نسبيًا عن المواجهات المباشرة، لكنه يعكس بوضوح تصاعد صراع النفوذ الذي تغذّيه الإمارات عبر أذرع محلية مسلحة.

تصعيد عسكري ورسائل متفجرة في وادي حضرموت
المتحدث باسم ما يُسمّى “القوات المسلحة الجنوبية”، المقدم محمد النقيب، وصف الهجوم بأنه “عمل عدائي إرهابي” باستخدام طائرة مسيّرة مذخرة، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول الخسائر أو الجهة المنفذة. في المقابل، تحدثت مصادر محلية عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأنباء يعكس حالة الفوضى المعلوماتية المصاحبة لأي تصعيد ميداني.
ويأتي هذا التطور في ظل تحركات عسكرية وسياسية كثّفها المجلس الانتقالي مطلع الشهر الجاري في حضرموت، ما أثار مخاوف واسعة من انتقال المحافظة إلى مربع الصدام المفتوح. فالعبر ووادي حضرموت يمثلان شريانًا جغرافيًا حساسًا يربط الشرق اليمني بالحدود السعودية، وتحويله إلى ساحة استهداف بالمسيّرات ينذر بتوسيع رقعة الصراع وتدويله أمنيًا.
خطاب “مكافحة الإرهاب” وتبرير تمدد المليشيا
اتهم النقيب ما سماه “ثلاثي الإرهاب” –تنظيم القاعدة، ومليشيات الحوثي، وجماعة الإخوان– بالوقوف وراء الهجوم، متحدثًا عن تبادل للقدرات الهجومية واستخدام مسيّرات إيرانية. هذا الخطاب، الذي يجمع خصومًا متناقضين في خانة واحدة، يعكس محاولة واضحة لتسويق تحركات مليشيا الانتقالي باعتبارها جزءًا من “حرب شاملة على الإرهاب”، وليس صراع نفوذ داخلي.
غير أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذا الخطاب يُستخدم غطاءً لتوسيع السيطرة العسكرية وفرض أمر واقع جديد في حضرموت، بدعم إماراتي مباشر، في إطار مشروع تفكيك الدولة اليمنية إلى كيانات مسلحة متنازعة، تُدار من الخارج وتُستثمر في صراعات إقليمية أوسع.
فوضى السلاح وتعدد الجبهات داخل “المعسكر الواحد”
بالتوازي مع هجوم المسيّرة، أعلنت قوات “درع الوطن” –التشكيل الممول من السعودية– إحباط محاولة زرع عبوات ناسفة على الطريق الدولي الرابط بين مأرب والعبر والوديعة، مؤكدة استقرار الوضع الأمني. هذا الإعلان، رغم أهميته، يسلّط الضوء على واقع بالغ الخطورة: تعدد التشكيلات المسلحة واختلاف مرجعياتها في الجغرافيا نفسها، دون قيادة أمنية موحدة.
وفي سياق متصل، شيّعت القوات الحكومية في مأرب جثامين ضباط وجنود من المنطقة العسكرية الأولى قُتلوا خلال اشتباكات سابقة مع قوات تابعة للمجلس الانتقالي في حضرموت، وسط اتهامات باستمرار احتجاز جثامين أخرى لدى مليشيا الانتقالي. مشاهد التشييع هذه تعكس عمق الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتحول السلاح من أداة “مواجهة الانقلاب” إلى وسيلة صراع داخلي.
في المحصلة، لا يمكن فصل هجوم المسيّرة في حضرموت عن الدور الإماراتي في تأجيج الحرب اليمنية عبر دعم المليشيات وخلق صراعات جانبية. فاستمرار هذا النهج لا يهدد فقط تماسك الجبهة الداخلية، بل يفتح الباب أمام مرحلة أكثر فوضوية، يكون فيها المدنيون والبنية الأمنية أول الضحايا، بينما تتبدد أي فرصة حقيقية لسلام شامل في اليمن.
اقرأ أيضًا : قتلى في الدلنج وحقوقيون يرصدون انتهاكات بحق النازحين في السودان