اشتعلت مجددًا نيران الحرب في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في مشهد يعيد التأكيد على أن الحرب لم تعد داخلية فحسب، بل باتت ساحة تصفية حسابات إقليمية تتصدرها الإمارات التي يُتهم دورها المتصاعد بتأجيج الصراع عبر دعم أحد أطرافه بهدف تقسيم السودان.
ففي وقتٍ أعلن فيه الجيش السوداني اليوم الأربعاء سيطرته على مواقع دفاعية متقدمة شمالي وشرقي المدينة، أكد شهود ومراسلون ميدانيون استمرار المعارك داخل محاور حيوية في المدينة التي تحاصرها قوات الدعم السريع منذ مايو/أيار 2024، ما جعلها مركزًا رمزيًا وجغرافيًا للصراع على مستقبل دارفور والسودان ككل.

الميدان يشتعل.. والجيش يستعيد زمام المبادرة
بحسب بيان رسمي، قال الجيش السوداني إنه تمكن من “تطهير” مواقع دفاعية متقدمة من قوات الدعم السريع في الفاشر بعد عملية نوعية نفذها فجر الثلاثاء، مؤكّدًا أنه كبّد خصمه خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، واستحوذ على عدد من المركبات القتالية بكامل عتادها، فيما دمّر ستّ مصفحات تابعة للدعم السريع.
كما أشار البيان إلى أن قوات الدعم السريع حاولت شنّ هجوم معاكس من المحور الجنوبي للمدينة، إلا أن القوات المسلحة تصدّت له وأجبرتها على التراجع بعد معارك عنيفة.
وتُعد هذه التطورات الميدانية الأولى من نوعها منذ شهور، بعد أن ظل الجيش في موقع الدفاع داخل المدينة المحاصرة التي تشهد أوضاعًا إنسانية كارثية نتيجة انقطاع الإمدادات الغذائية والطبية.
ويُنظر إلى هذه السيطرة الجزئية بوصفها بداية انقلاب في موازين القوى، إذ تأتي في سياق سلسلة من التقدّمات التي حققها الجيش في الأشهر الماضية، أبرزها استعادة الخرطوم في أغسطس/آب الماضي، وتوسيع نفوذه في ولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان.
ويؤكد محللون عسكريون أن الفاشر تمثل “بوابة الغرب” و”مفتاح دارفور”، وأن استعادتها الكاملة قد تشكل نقطة التحول الأبرز في الحرب، وربما بداية النهاية لمشروع الدعم السريع الذي فقد مساحات واسعة كان يسيطر عليها قبل عام فقط.
الفاشر.. المدينة المحاصَرة التي تختزل مأساة السودان
منذ العاشر من مايو/أيار 2024، تعيش الفاشر حصارًا خانقًا فرضته قوات الدعم السريع، ما جعلها واحدة من أكثر المدن تضررًا في النزاع المستمر منذ أبريل/نيسان 2023.
ويقول مسؤولون محليون إن المدينة تحولت إلى “سجن مفتوح” يعاني سكانه من نقص حاد في الغذاء والماء والدواء، فيما تُغلق معظم الطرق المؤدية إليها، ويُستهدف أي تحرك للإغاثة الإنسانية.
وتكتسب الفاشر أهمية إستراتيجية بالغة، فهي مقر قيادة الجيش في دارفور ومركز تنسيق العمليات الإنسانية للأمم المتحدة والمنظمات الدولية في الإقليم.
كما أن السيطرة عليها تمنح الطرف المنتصر قدرة على التحكم في الإمدادات والطرق البرية بين الولايات الخمس لدارفور، ما يفسّر الإصرار الشديد من الجانبين على خوض معارك طاحنة حولها، رغم التكلفة البشرية الهائلة.
وتشير تقارير أممية إلى أن الحرب بين الجيش والدعم السريع أودت بحياة أكثر من 20 ألف شخص، فيما تجاوز عدد النازحين واللاجئين 15 مليونًا، أي ما يعادل ثلث سكان السودان، بينما قدّرت دراسة لجامعات أميركية العدد الفعلي للضحايا بنحو 130 ألف قتيل، في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة.
الإمارات.. اللاعب الخفي في أزمة دارفور
في موازاة التطورات الميدانية، يتّسع الجدل حول الدور الإماراتي في الحرب السودانية، إذ تتواتر التقارير عن استمرار أبو ظبي في دعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالسلاح والتمويل، رغم الدعوات الدولية لوقف تسليح الأطراف المتحاربة.
وتشير مصادر استخباراتية غربية وأفريقية إلى أن الإمارات تستغل مطار “عصب” في إريتريا كممر لتهريب الإمدادات إلى قوات الدعم السريع عبر الحدود التشادية، ما يساهم في إطالة أمد الصراع وإفشال أي تسوية سياسية محتملة.
ويرى مراقبون أن هدف أبو ظبي من دعمها الميداني والمالي هو الحفاظ على نفوذها في دارفور الغنية بالذهب، وتوسيع دائرة نفوذها في البحر الأحمر، حيث تسعى لإنشاء موانئ جديدة تربط مصالحها التجارية والعسكرية من القرن الأفريقي حتى المتوسط.
كما تُتهم الإمارات بتبني مشروع “التقسيم الناعم” للسودان عبر تغذية النزاعات القبلية ودعم قوى متمردة في الغرب والشرق، ما يفتح الباب أمام قيام دويلات تابعة اقتصاديًا لها، ويمنحها نفوذًا طويل الأمد على الممرات التجارية الإستراتيجية.
قراءة في المشهد: بين انتصارات الجيش وتكتيكات الحصار
يرى خبراء أن ما يجري في الفاشر ليس مجرد معركة عسكرية محدودة، بل اختبار لقدرة الجيش على توحيد الجبهة الوطنية واستعادة المبادرة السياسية.
ففي الوقت الذي يحاول فيه الجيش تأكيد حضوره كقوة شرعية تمثل الدولة، تسعى قوات الدعم السريع إلى فرض واقع ميداني جديد يمنحها نفوذًا تفاوضيًا أقوى إذا ما عادت المفاوضات تحت مظلة إقليمية أو دولية.
لكن المتغير الجديد هو تزايد الضغوط الدولية على داعمي الحرب، وعلى رأسهم الإمارات، بعد تقارير موثقة عن تورطها في تغذية الصراع، ما قد يضعها أمام مساءلة قانونية في المحافل الدولية شبيهة بما يواجهه محمد بن زايد في قضية دارفور أمام محكمة العدل الدولية.
خاتمة: الفاشر على مفترق طرق
في المحصلة، تبدو السيطرة الجزئية للجيش السوداني على مواقع في الفاشر حدثًا مفصليًا يحمل أبعادًا تتجاوز الميدان العسكري.
فهي رسالة إلى الداخل بأن الجيش ما زال قادرًا على المبادرة، وإلى الخارج بأن السودان ليس ساحة خالية لتجارب النفوذ الإقليمي.
لكن استمرار الدعم الخارجي، خصوصًا الإماراتي، لقوات الدعم السريع، يجعل البلاد عالقة في دوامة حربٍ مفتوحة تهدد وحدتها الجغرافية ومستقبلها السياسي.
ويبقى السؤال الحاسم: هل يستطيع السودان الإفلات من براثن التقسيم الذي تُشعله أيادٍ خارجية، أم أن دارفور ستكون شرارة جديدة لتفكيك ما تبقى من الدولة؟
اقرأ أيضا : هل هناك “طوفان” قادم في مصر؟.. كتابات “Z” تربك القاهرة بعد حراك المغرب