تحت شعار “جيل زد قادم”، ظهرت خلال الأيام الماضية عبارات ورسومات غرافيتي في شوارع القاهرة الكبرى، من كوبري قصر النيل إلى جدران المترو في الدقي ومدينة نصر والمعادي.

كلمات قصيرة بخط واضح وتوقيع واحد: “Z”. لم يعرف أحد من يقف خلفها، لكنها أشعلت نقاشاً واسعاً في الأوساط الشبابية والإعلامية حول رسالتها ومعناها، خصوصاً بعد أن جاءت مباشرة عقب موجة الاحتجاجات في المغرب التي قادها الجيل نفسه.

من الرباط إلى القاهرة: عدوى التمرد الرقمي

لم تعد احتجاجات المغرب مجرد حدث محلي، بل تحولت إلى شرارة إقليمية أيقظت القلق في العواصم العربية، وفي مقدمتها القاهرة. فالنظام المصري يدرك أن أي موجة غضب شبابية في المنطقة سرعان ما تجد صداها داخل مصر، البلد الذي لا يزال يعيش في ظل ذكرى ثورة يناير 2011.

الهتافات في الرباط حول “الكرامة والعدالة الاجتماعية” بدت مألوفة في أذن المصريين، حتى أن بعض النشطاء أعادوا تداول مقاطع احتجاجات المغرب مصحوبة بوسم “#جيل_زد_قادم”، ليبدأ التفاعل المصري على المنصات، ثم ينزل إلى الجدران كغرافيتي ورسائل رمزية.

هذا الامتداد لا يعكس فقط تقارباً في الهموم الاقتصادية، بل أيضاً في الأسلوب. فجيل زد في المغرب ومصر لا يتحرك ضمن تنظيمات أو أحزاب، بل عبر شبكات رقمية مرنة، يصعب رصدها أو إيقافها، وتعمل بمنطق “الموجة” لا القيادة. وهو ما يثير حيرة الأجهزة الأمنية التي اعتادت التعامل مع معارضين تقليديين يمكن احتواؤهم أو مراقبتهم.

جيل لا يعترف بالوصاية

ما يميز هذا الجيل ليس فقط صغر سنه، بل طبيعة وعيه المختلف. فهو جيل نشأ في العالم الرقمي؛ يكوّن رأيه من تيك توك وإنستغرام وليس من التلفزيون، ويتواصل عبر مجموعات الألعاب قبل أن يتجمع في الشوارع. لا يعترف بالوصاية الأبوية أو السلطوية، ويرى في التغيير فعلاً مباشراً لا يحتاج إلى إذن.

تصف دراسات علم الاجتماع هذا الجيل بأنه “جيل اللاتنظيم”، إذ لا يثق في المؤسسات الرسمية ولا حتى في المعارضة الكلاسيكية، ويعتبر أن التعبير عن الغضب يمكن أن يبدأ من هاشتاغ وينتهي بحركة اجتماعية عابرة للحدود. لذلك، تتعامل الأنظمة معه بقلق مزدوج: قلق من قدرته على الانتشار السريع، ومن غموض من يقوده.

الثقل الديموغرافي.. قوة لا يمكن تجاهلها

تشير الإحصاءات إلى أن جيل زد يمثل كتلة بشرية ضخمة في مصر والمغرب. ففي المغرب، يبلغ عدد الشباب بين 15 و29 عاماً نحو 8.2 ملايين نسمة، أي حوالي ربع السكان، بينما في مصر يصل العدد إلى 21.3 مليون شاب، يمثلون نحو 20% من إجمالي السكان.

لكن رغم هذا الثقل العددي، فإن هذه الفئة تعاني من تهميش اقتصادي وتعليمي واسع. ففي مصر، لا يتجاوز الإنفاق الفعلي على التعليم والصحة 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل من نصف ما يفرضه الدستور. وتحتل مصر مراكز متأخرة في مؤشرات جودة التعليم، وهو ما ينعكس في ضعف الفرص أمام الشباب وصعوبة صعودهم الاجتماعي.

يضاف إلى ذلك أن معدل البطالة في مصر بلغ 6.1% في الربع الثاني من عام 2025، بواقع أكثر من 2 مليون عاطل، مع ارتفاع معدل الفقر إلى 34% وفقاً لأحدث التقديرات غير الرسمية. أي أن نحو ثلث المصريين يعيشون بدخل لا يتجاوز دولاراً واحداً يومياً، وهو ما يجعل الاحتقان الاجتماعي جاهزاً للانفجار عند أي شرارة.

ملامح “زد” المصرية.. الغضب الصامت

الكتابات الأخيرة في شوارع القاهرة ليست مجرد رسومات عشوائية، بل تُقرأ كإشارات رمزية تعبّر عن غضب مكتوم في صفوف الشباب المصري. فالمحتوى بسيط ومباشر: “جيل زد قادم”، “نحن هنا”، “الحرية تبدأ من الموبايل”.

يبدو أن الرسائل تهدف إلى كسر الصمت العام وتذكير الشارع بأن هناك جيلاً جديداً لم يعش ثورة 2011 لكنه يحمل غضبها بالوراثة. وهو جيل يرى أن أدوات النضال لم تعد الميادين فقط، بل المحتوى الرقمي، الفيديوهات، الميمات، والتغريدات الساخرة التي تتحول إلى رموز مقاومة.

وفي الوقت نفسه، فإن هذا الحراك الرمزي يضع النظام أمام معادلة صعبة: فالقمع التقليدي عبر الاعتقالات لم يعد مجدياً مع جيل يتحرك في الفضاء الافتراضي، ولا يمكن محاصرته أو إسكات لغته الساخرة.

هل هناك “طوفان” قادم في مصر؟

قد لا يكون في الأفق القريب احتجاج بحجم ثورة، لكنّ المؤشرات الاجتماعية والرمزية تشير إلى حالة تراكم تشبه ما سبق انفجار يناير 2011.

فحين يصبح الشباب بين خيارين: الهجرة أو الصمت، وحين تتحول البطالة إلى نمط حياة، والتعليم إلى عبء، فإن أي شرارة، ولو في بلد مجاور، يمكن أن توقظ الميادين من سباتها.

العبارات المرسومة على الجدران ليست إعلان ثورة، لكنها رسائل استباقية تقول إن جيلاً جديداً بدأ يتكوّن خارج المعادلات الرسمية، جيل لا يخاف من الكاميرا ولا من السوشيال ميديا، جيل يراقب العالم ويتعلم من احتجاجات الرباط وطهران وباريس.

وفي بلدٍ مثل مصر، حيث التاريخ السياسي يؤكد أن الانفجار يأتي بعد الصمت الطويل، تبدو عبارة “جيل زد قادم” أكثر من مجرد غرافيتي.. إنها إنذار مكتوب على الجدار.

اقرأ أيضًا :سرقة مقنّنة: الاحتلال يوزّع 7.5 ملايين دولار من أموال الفلسطينيين على عائلاته